العايدي يكتب: الوعي السياسي (1): الشطط السياسي زمن الأزمات

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي


في ظل الأزمات المتوالية التي تعصف بمنطقتنا يرتفع ضجيج الأصوات الذي قد يعلو على أزيز الطائرات، كاشفا عن أزمة أعمق من مجرد الاختلاف في الآراء، هي أزمة الوعي السياسي لدى النخب والمجتمع على حد سواء. فنسمع كلمات حادة أو قد تكون متطرفة هنا وهناك، لا تخدم المصلحة الوطنية، ولا تحافظ على الاستقرار الداخلي.
 

ويكمن الخلل في غياب القدرة على التفكير السياسي المتزن، الذي قد تكون بعض عوامله تعود إلى نظام التعليم الذي لا يغرس التفكير النقدي والسياسي، والإعلام الذي يميل إلى الإثارة وتضخيم الانفعالات، بدل ربط الأحداث بتحليل متوازن، وكذلك التقاليد السياسية، التي تجعل المجتمع أقل قدرة على ممارسة الحوار الهادئ، وتقدير المصلحة، فتجد أن الوعي العام يميل إلى تفضيل الخطاب الانفعالي السريع، أكثر ممن يقرأ المشهد بعمق وتحليل، مما يشكل علاقة غير صحية بين النخب والجمهور، ويعد فهم هذه الجذور هو الخطوة الأولى لمعالجة أزمة الوعي الفكري والسياسي.
إن الشطط السياسي ليس مجرد اندفاع لغوي في لحظة غضب يمكن تجاوزه، بل هو اختلال في ميزان الإدراك، حين يتحول الغضب - وإن كان بدافع إنساني- إلى أداة تحليل، فينتج خطابا حادا مرتفع النبرة، بدون اتزان، لأنه لم يضبط بعقل سياسي قادر على تحويل الانفعال والاندفاع إلى رؤية واقعية.
ويزداد الشطط حين تنجرف النخب السياسية أو القيادات الدينية إلى مستوى خطاب الشارع، من أجل تسجيل موقف، أو تحقيق مكسب آني، أو مصلحة فئوية أو حزبية ضيقة، بدل أن تقدم هذه النخب قراءة متأنية لما يجري، فالخطابات السياسية تقاس بقدرة أصحابها على تقدير الموقف، وبناء القرارات على القدرات والإمكانات، لا على التوقعات الاستثنائية، أو الرغبات الشخصية.
مع خطورة ما يجري اليوم في المنطقة، حيث تتداخل الحروب والضغوط والتحولات، لم يعد مقبولا أن يبقى الخطاب السياسي مجرد تفاعل مع الأحداث، أو ساحة للتراشق وتبادل الاتهامات، فالدول لا تواجه مصيرها، وتهديد وجودها، بالمزايدات ولا بالصراخ، بل بقدرتها على قراءة الاحتمالات، وبناء السيناريوهات، والاستعداد المطلوب لما قد يكون.
فبدل أن ننشغل بفرز من هو وطني، ومن ليس وطنيا، علينا أن نفكر بما يخدم المصلحة الوطنية فعليا، فهذا ليس وقت أن نعلّم الوطنية لمن لم يفهمها بعد، أو نعلّم الانتماء لمن لم يعشه بعد، فالوقت لا يتسع لهذا في الأزمات، بل واجب الوقت أن نفكر بالمصالح العليا للدولة، دون أن يتحول الخطاب إلى ساحة تخوين، بل مساحة للتفكير الواعي، فالسياسة إذا فقدت الغاية منها تصبح عبئا على الدولة، بدل أن تكون طوق نجاة.
إن الخطاب السياسي الرشيد لا يكتفي بالتحليل، بل يوجه نحو تعزيز الجبهة الداخلية، وترشيد النقاش العام، ودعم الاستقرار، وتجنب كل ما من شأنه أن ينقل الصراع إلى الداخل، لأنه يفهم أن أخطر ما يحدث، ليس ما يجري خارج حدود الوطن، بل مدى انعكاساته وتأثيره على الداخل، فيرتبط دائما بالمصلحة الوطنية العليا، لا بالمكاسب الآنية أو الشعبية، وهذا ما يجعله قادرا على اتخاذ مواقف غير شعبية، لكنها أكثر مسؤولية، كما أن الرشد السياسي ينقلنا من الانفعال إلى مستوى التفكير بالمآلات، يدرس كيف نحافظ على مقدراتنا الحالية، وكيف يمكننا أن نوازن بين الضغوط الخارجية والقدرات الذاتية، وأن نعد أنفسنا اقتصاديا واجتماعيا وفكريا، لمرحلة قد تكون أطول وأصعب مما نتصور؟
وهنا يظهر الفرق بين من يتحدث في السياسة، وبين من يمارسها بوعي، بين من يرتفع صوته بالتنظير الذي لا يلامس الواقع، ولا يفيده، وبين من يطرح حلولا للواقع، ومخرجا للأزمات، ومع تسارع الأحداث لم يعد أمامنا ترف الخطابات الانفعالية، لأنه يضاعف القلق، ولا يجيب على سؤال النجاة. في خضم الأزمة التي تمر بها المنطقة، المطلوب من النخب السياسية أن تجيب على تساؤلات جوهرية: ماذا لو تصاعدت الأحداث؟ ماذا لو طال أمد الأزمة؟ ماذا لو تغيرت المعادلات فجأة؟
هذه ليست أسئلة تشاؤمية بل أسئلة واقعية، لأنها تدفعنا إلى الاستعداد، وبهذه الطريقة يتحول الخطاب السياسي من مجرد جدل إلى حلول عملية لتجاوز المرحلة.
وأخيرا، فإما أن نرتقي بخطابنا إلى مستوى التحديات، أو نبقى ندور في حلقة الشطط السياسي، بينما الأحداث تتسارع دون أن تنتظر أحدا.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية