غنيمات يكتب: عيد الفطر تحت أزيز الصواريخ: فرحٌ مؤجل في سماء الشرق الأوسط

{title}
أخبار الأردن -

 

بقلم الدكتور حمدان عبدالقادر غنيمات

في صباحٍ كان يفترض أن تعلو فيه تكبيرات العيد وتتعانق فيه القلوب قبل الأيادي، يأتي عيد الفطر هذا العام محمّلًا بقلقٍ ثقيل، يخيّم على سماء منطقةٍ لم تعرف الاستقرار منذ سنوات. 

العيد الذي يُفترض أن يكون مساحةً للفرح والتسامح، يجد نفسه محاصرًا بأصوات الصواريخ، وصدى التصعيد العسكري، ووجع الشعوب التي أنهكتها الحروب.

التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب العمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل المحتل في أكثر من ساحة، يلقي بظلاله على المشهد بأكمله، في لحظة حساسة تُنذر باتساع رقعة الصراع. لم تعد المواجهة مجرد توتر سياسي عابر، بل تحوّلت إلى حالة استنفار إقليمي، ترفع منسوب الخوف لدى شعوب المنطقة، وتفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد.

وفي قلب هذا المشهد، تبقى فلسطين القضية الأكثر حضورًا، والأكثر ألمًا. في القدس، حيث المسجد الأقصى، تُواصل إسرائيل المحتل فرض قيودها، وتمنع آلاف المصلين من الوصول إلى باحاته، في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يبدو أكثر قسوة هذا العيد. هناك، لا تُقاس الأيام بالمناسبات، بل بحجم المعاناة والصمود. يتحول العيد إلى فعل مقاومة معنوي، يتمسك فيه الناس بحقهم في الحياة والعبادة، رغم القيود والانتهاكات المستمرة.

أما لبنان، الذي يقف على حافة أزمات متراكمة، فيستقبل العيد بقلق مضاعف، في ظل الاعتداءات التي تشنها إسرائيل المحتل، والتي تزيد من تعقيد المشهد الأمني وتفاقم من معاناة الشعب اللبناني. التوترات العسكرية، إلى جانب الانهيار الاقتصادي، تجعل من الفرح رفاهية بعيدة المنال، فيما يحاول الناس، رغم كل شيء، التمسك بما تبقى من مظاهر العيد.

وعلى امتداد الشرق الأوسط، تتشابك الأزمات بشكل غير مسبوق، حيث تلعب إسرائيل المحتل دورًا محوريًا في تأجيج عدد من بؤر التوتر، إلى جانب صراعات إقليمية ودولية أخرى. حروب مفتوحة، توترات سياسية، وأزمات إنسانية تضغط على ملايين البشر. العيد هنا ليس مجرد مناسبة دينية، بل لحظة تكشف حجم التباين بين ما يجب أن يكون، وما هو كائن بالفعل.

وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبرز الدور الأردني بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي لم يدّخر جهدًا في الدفع نحو حلول سياسية تحفظ أمن المنطقة واستقرارها. فمن خلال تحركات دبلوماسية نشطة ومواقف ثابتة، يؤكد الأردن على ضرورة وقف التصعيد، وخاصة ما تمارسه إسرائيل المحتل من انتهاكات، والدعوة إلى الحوار بدلًا من الصراع، واضعًا مصلحة الشعوب فوق كل اعتبار.

ولم يقتصر الدور الأردني على الجانب السياسي فحسب، بل تجلّى أيضًا في الجاهزية العالية للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، الذي يقف سداً منيعاً في وجه التحديات الأمنية المتصاعدة. ففي ظل ما تشهده سماء المنطقة من تهديدات وصواريخ عابرة، بعضها مرتبط بتصاعد العمليات العسكرية التي تشارك فيها إسرائيل المحتل ودولة إيران، أثبت الجيش كفاءته العالية في حماية الأجواء الأردنية، والتصدي لأي خطر قد يمس أمن الوطن وسلامة مواطنيه والمقيمين على أرضه.

ورغم تعقيد المشهد الإقليمي، يواصل الأردن أداء دوره الإنساني والأمني في آنٍ واحد، محافظًا على استقراره الداخلي، ومقدمًا نموذجًا في التوازن بين الحزم والانفتاح. فالأردن، بقيادته ومؤسساته، يدرك حجم التحديات، لكنه يثبت في كل مرة أن الأمن ليس خيارًا مؤقتًا، بل نهجًا راسخًا.

ومع كل هذه التحديات، يبقى الأردن واحة أمن وأمان، يحتضن أبناءه وكل من يعيش على أرضه، ويوفر لهم بيئة مستقرة وسط إقليمٍ مضطرب، وهو ما يجعل من العيد رغم كل الظروف مناسبة تحمل شيئًا من الطمأنينة، حتى وإن كان الفرح منقوصًا.

ورغم هذا المشهد القاتم، لا يغيب الأمل تمامًا ففي تفاصيل الحياة الصغيرة، في ضحكة طفل، في زيارة عائلية، في دعاء صادق، يظل هناك ما يستحق التمسك به. الشعوب التي صمدت طويلًا، لا تزال قادرة على إعادة إنتاج الأمل، حتى في أحلك الظروف.

عيد الفطر هذا العام ليس عيدًا عاديًا، بل مرآة لواقعٍ مضطرب، ورسالة بأن السلام لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية. فبدون أمنٍ واستقرار، يبقى الفرح ناقصًا، وتبقى الأعياد مجرد تواريخ على التقويم، تنتظر أن تستعيد معناها الحقيقي.

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية