الكشكي يكتب: ضرورة التحوط الإستراتيجي

{title}
أخبار الأردن -

 

جمال الكشكي


حان وقت عربي جديد، يتجاوز الرهانات القديمة، ويعيد رسم موقع الإقليم في النظام الدولي، لحظة تتلاقى فيها التحديات مع الفرص، إذ تتحرك القوى الكبرى وفق مصالحها، وتختبر سيادة الإقليم في ساحاته وموارده، وفي ظل هذا الواقع تصبح القدرة على إدارة المصير قرارا وجوديا، والإرادة المستقلة شرطا للبقاء.

في لحظة إقليمية تتكثف فيها النيران، وتتشابك خطوط الدم والمصالح، يظهر السؤال الجوهري: كيف ينتقل الإقليم العربي من ساحة تتلقى الفعل إلى قوة تشكل هذا الفعل؟ كيف يتحول من جغرافيا مفتوحة إلى إرادة قادرة على توجيه مسارها، ومن مرحلة انتظار إلى مرحلة مبادرة؟

تكشف حرب الثلاثي: إسرائيل وأمريكا وإيران، عن انكشاف بنيوي عميق، فالقوى الكبرى تتحول من ضامن مفترض إلى فاعل يصنع الاضطراب، فواشنطن تتدخل حيث مصالحها الذاتية، ثم تعيد التموضع بعد تحقيق هذه المصالح، وتترك خلفها فراغا مشحونا بالتوتر، وفي الوقت نفسه تتحرك إسرائيل وفق تصور خرافي، يتجاوز حدود الدولة الصغيرة، نحو مشروع قوة مهيمنة، يعيد تشكيل الإقليم، ويضمن تفوقها المستمر. أما إيران فتواصل من موقعها منذ ٤٧ عاما استثمار قداسة قضية فلسطين، لتبرير تدخلها في الساحة الإقليمية، ما يحول كل صراع إلى اختبار مباشر لتوازن القوى، ويؤكد هشاشة الاتفاقيات الثنائية والجماعية أمام سيولة نظام دولي، يقترب تدريجيا من ما قبل صلح وستفاليا، حيث تتعدد مراكز التأثير، وتتصاعد أولوية القوة.

وفي قلب هذا المشهد تتجلى مفارقة حادة: إقليم يربط بين القارات، يطل على أهم الممرات البحرية، يحتضن كتلة سكانية ضخمة، ويمتلك ثروات طاقة تمثل شريان الاقتصاد العالمي، ومع ذلك يواجه ضغوطا مستمرة، تعيد تشكيله من الخارج.

تمنح هذه العناصر العرب قدرة كامنة على التأثير في معادلات القوة الدولية، وتفتح أمامهم مساحة لإعادة تعريف موقعهم، إذا ما تحولت الموارد إلى أدوات نفوذ، وتكاملت الجغرافيا مع السياسة، وتفاعلت الكتلة السكانية مع مشروع إنتاجي متماسك.

تتحول إسرائيل بعد ثمانية عقود إلى عنصر ضغط على النظام الدولي نفسه، ذلك النظام الذي أنشأها بقرار، وتدفع نحو توترات ممتدة، وتفرض إيقاعا صداميا يختبر قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات، وتخلق حالة من عدم الاستقرار المستمر، تنعكس على التجارة والطاقة والأمن.

إن الحروب التي تدور في متن الإقليم وهامشه تتحول إلى ميدان اختبار لكسر الهيبة الإقليمية، وقياس قدرة العرب على الصمود، وإعادة رسم صورتهم في الوعي الدولي.

في هذا السياق يبرز التحوط الإستراتيجي كفلسفة ضرورية، تقوم على تنويع العلاقات الدولية، وتوسيع دوائر الحركة، وبناء قدرات ذاتية تتيح هامش مناورة واسع، مع الحفاظ على توازن دقيق بين القوى، بما يسمح بإعادة التموضع وفق تحولات البيئة الدولية.

وقد تجلت هذه المقاربة في تجارب دولية متعددة، فقد اعتمدت الهند سياسة موازنة دقيقة بين الولايات المتحدة وروسيا، ونجحت تركيا في التحرك بين فضاءات متعارضة، تجمع بين عضوية تحالفات غربية وتفاهمات شرقية، كما تبنت بعض دول الإقليم فكرة الشراكات، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، لكن ذلك يتم على المستوى الفردي.

التحدي العربي يتجاوز التجارب الفردية، ويتطلب انتقالا نوعيا نحو تحوط إستراتيجي جماعي، يؤسس لكتلة إقليمية قادرة على إعادة صياغة موقعها في النظام الدولي.


 

 

يقوم هذا التحوط على ثلاث دوائر مترابطة:
الأولى: بناء الاستقلال النسبي عبر تطوير قدرات دفاعية مشتركة، وتوطين الصناعات الحيوية، وتفعيل منظومات الأمن الجماعي لتعزيز السيادة.
الثانية: إدارة التنويع الدولي من خلال علاقات متوازنة مع مختلف القوى الكبرى، ما يفتح مسارات متعددة، ويعزز القدرة على التكيف مع التحولات.
الثالثة: تحقيق التكامل الإقليمي عبر ربط الاقتصادات، وتنسيق سياسات الطاقة، وتعزيز الأمن الغذائي، ما يحول الموارد إلى قوة إستراتيجية.

في ضوء هذه المعطيات، يتحول الإقليم من موقع التلقي إلى موقع الفعل، وتتيح لحظة السيولة الدولية فرصة لإعادة ترتيب المواقع، ويمنح العمل الجماعي وزنا مضاعفا في معادلات القوة، ومع تراكم عناصر القدرة، يصبح الإقليم رقما فاعلا في نظام دولي يعاد تشكيله تحت النار.

التحوط الإستراتيجي العربي ليس خيارا بين خيارات، هو مسار للبقاء وصياغة للإرادة، وطريق لتثبيت القرار الذاتي، وإعادة تعريف الأمن باعتباره نتاجا ذاتيا، ومن خلاله يتحول الإقليم من ميدان اختبار إلى قوة تصنع التوازن، ومن هامش الفعل إلى مركز القرار، ويصبح قادرا على فرض إرادته وحماية وجوده، في عالم تحدد فيه مكانة القوى بقدر ما تمتلك من قدرة على الفعل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية