سبايلة يكتب: الاغتيالات كأداة لتفكيك الدولة الأمنية في إيران

{title}
أخبار الأردن -

 

د.عامر سبايلة


مع الانتقال إلى عمليات الاغتيالات الممنهجة، يبدأ العمل الإسرائيلي الأمريكي تدريجياً بالتحول إلى العمل داخل العمق الإيراني بشكل نوعي وغير تقليدي.


 

فمن جهة، فإن عمليات الاغتيال المتكررة ليست فقط نتاجاً لعمليات استخبارية ومتابعة واختراق طويل الأمد، بل هي أيضاً نتاج لاختراق بنيوي ومستمر، وعمليات استخبارية فاعلة على مدار الساعة.

 

لكن جوهرها الرئيسي يكمن في أن هذه الاغتيالات تنقل الشك والتشكيك إلى داخل أروقة النظام كاملة وأجهزته، وتخلق واقعاً عملياتياً صعباً ومتردداً، وتزيد من مستوى الانكشاف، وتضرب آلية اتخاذ القرار،.

 

وهو ما يجري العمل عليه آلياً وبشكل متوازٍ. وبالتوازي مع هذه العمليات، تنتقل إسرائيل والولايات المتحدة إلى عمليات مركبة تستهدف البنية التحتية الداخلية للنظام الإيراني، وأهمها مقدراته العسكرية ومنشآت التصنيع العسكري.

 

لكن في الوقت نفسه تنتقلان إلى ضرب أعمدة النظام الداخلية، أي مقدرات الأمن الداخلي وأفراده، مما يعني أن عامل ضبط الأمن الداخلي المتمثل بالباسيج هو فعلاً الهدف الأساسي في المرحلة الحالية، بالتوازي مع ضرب مقدرات الحرس الثوري، وهو ما يشير إلى ترجمة فعلية لما تحدث عنه الرئيس ترامب سابقاً في موضوع تهيئة الظروف الداخلية للشعب الإيراني لإحداث التغيير في الداخل.

في الوقت نفسه، تبدو العمليات المكثفة في ضرب مقدرات النظام العسكرية في مناطق الساحل الغربي والجنوبي عملية تهيئة لشيء قادم. فضرب البنية التحتية العسكرية والقواعد والمقرات، إلى جانب البنية التحتية للموانئ والزوارق الإيرانية، يشير كله إلى هدف واحد: التهيئة للقيام بعمليات نوعية قادمة، وهو ما قد تحتاجه الإدارة الأمريكية لإظهار إنجازها الحقيقي على الأرض، والانتقال إلى استراتيجية السيطرة على المناطق الاستراتيجية الإيرانية.

 

وقد يتم ذلك عبر عمليات قوات خاصة ذات مهام محددة: اختطاف، تصفية، أو سيطرة على مناطق استراتيجية بعد ضمان تأمينها الكامل واحتواء أي خطر تهديدي على أي وجود أمريكي، خصوصاً في الجزر الإيرانية وأهمها جزيرة خرج.

هذا التحول النوعي يمكن أن يشير إلى المسار التطوري للعمليات الأمريكية التدريجية التي بُنيت على مراحل بدأت بضرب رأس النظام، وانتقلت إلى بنيته التحتية، لتصل إلى اغتيال قادته وضرب قواعده الداخلية، بما يجعل هذه المرحلة الخطوة الأهم في ترجمة هذه الاستراتيجية، مع التلويح طبعاً بتفعيل ورقة المكونات الداخلية في المناطق الحدودية، سواء الكردية أو الأذربيجانية أو العربية في مناطق الأحواز.

إيرانياً، أظهرت إيران قدرة على استمرارية الاستهداف بالصواريخ والمسيرات، وتنويع الضربات بطريقة تُبقي الانطباع بقدرتها على استهداف الداخل الإسرائيلي من جهة، أو التهديد لدول الخليج ومراكز الطاقة من جهة أخرى، خصوصاً مع التطور اللافت في استهداف مواقع الطاقة القطرية والكويتية والسعودية.

استراتيجية إيران في تعظيم أثر الحرب وتداعياتها على العالم تجعل الإيراني يصر على تبني بروباغندا إعلامية مبنية على التهديد، وتهديد أماكن مرتبطة بالاستقرار المالي وسوق الطاقة مثل الإمارات، ومحاولة إظهار قدرات على استهداف هذه الدول، وتوجيه خطاب إلى الداخل بطلب الابتعاد عن الموانئ أو المنشآت، وهو ما يشير إلى الحاجة الإيرانية إلى الإبقاء على صورة النظام القادر على التهديد والتنفيذ، والقادر على ضرب الاستقرار الإقليمي متى شاء.

فالتحرك الإيراني الذي أراد تبني نهج مبني على ربط الحرب بتداعيات دولية خطيرة، يبدأ من استهداف دول الخليج، وتعظيم خطر الحرب على سوق الطاقة والملاحة الدولية، ويمتد إلى موضوع التسريبات النووية، أو حتى إلى إبراز قدرات إيران على توجيه صواريخ بعيدة المدى، مثل تلك التي تم إطلاقها باتجاه جزيرة غارسيا.

بعد الأسبوع الثالث للحرب، تتجه الولايات المتحدة إلى تعميق الضربات في الداخل الإيراني، مستهدفة بنية النظام وأدواته ومنشآته العسكرية كاملة. ويشير التسريع في هذه العملية إلى الرغبة في الانتقال إلى مرحلة تُترجم فيها هذه الضربات إلى خطوات على الأرض، بهدف الإبقاء على خيار قبول التسوية الأمريكية كخيار وحيد أمام أي طرف داخلي إيراني.

 

لكن في الوقت نفسه يتم خلق واقع إيراني جديد، يصعب معه، بأي صورة من الصور، أن يعود أي نظام إيراني مستقبلي إلى الصورة التي انتهى عليها النظام الإيراني الحالي.

 

فتحييد إيران، وإيقاف تهديدها، وإنهاء مقدراتها العسكرية كاملة، وجعل أي مستقبل لإيران منحسراً في إعادة البناء والعمل الداخلي، بمعزل عن أي سياسات إقليمية، يبدو الآن هو الهدف الأوضح في هذه المرحلة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية