الطراونة يكتب: سياسة الثبات وبناء الموقف العربي

{title}
أخبار الأردن -

 

مكرم أحمد الطراونة


في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، حيث تتداخل خطوط الصراع وتتشابك المصالح، تأتي جولات الملك عبدالله الثاني في دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ودولة قطر، لتتخطى الصورة التقليدية للزيارات الدبلوماسية، نحو التعبير المباشر عن فلسفة سياسية أردنية راسخة، ترى في التضامن العربي خيارا إستراتيجيا لا ترفا ظرفيا، وفي التنسيق المشترك ضرورة وجودية لمواجهة التحديات المتصاعدة في المنطقة.
 

الأردن، بقيادته، لا يتعامل مع الأزمات من موقع المتفرج أو المراقب، بل من موقع الفاعل الذي يسعى إلى بناء مساحات مشتركة للفهم والعمل، وهذه الجولات تعكس إدراكا عميقا بأن اللحظة الراهنة، مع تصاعد المواجهة الإقليمية وتنامي احتمالات اتساعها، تتطلب خطابا عربيا موحّدا، يتجاوز ردود الفعل الآنية، نحو صياغة موقف متماسك يحمي المصالح العربية ويمنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من الفوضى.
في صُلب هذا التحرك، يبرز مبدأ أردني ثابت لم يتغيّر عبر العقود، وهو أن أمن الخليج هو من أمن الأردن، وأن أمن الدول العربية كل لا يتجزأ. هذا الفهم لا يقوم على المجاملة السياسية، بل على قراءة واقعية لطبيعة التهديدات العابرة للحدود، والتي لا يمكن احتواؤها ضمن أطر محلية ضيقة. لذلك، فإنّ أيّ استهداف للأراضي العربية، في ظل التصعيد العسكري الأخير، يُنظر إليه في عمّان بوصفه تهديدا مباشرا للأمن القومي العربي ككل، وليس لدولة بعينها.
وفي سياق الحرب المشتعلة مع إيران، يتخذ الموقف الأردني بُعدا مركبا، فهو من جهة يرفض بشكل قاطع تحويل الدول العربية إلى ساحات صراع أو منصات لتصفية الحسابات الإقليمية، ومن جهة أخرى يدفع باتجاه احتواء التصعيد ومنع توسعه. هذا التوازن بين الحزم والواقعية يعكس طبيعة الدور الأردني، الذي يسعى إلى تقليل الخسائر الإستراتيجية، بدل الانخراط في اصطفافات حادة قد تعمّق الأزمة بدل حلها.
ولعل ما يمنح هذا الموقف مصداقيته، هو التاريخ الطويل للأردن في التعامل مع القضايا العربية، ليس فقط على مستوى الخطاب، بل على مستوى الفعل. فقد احتضن الأردن، عبر عقود، ملايين العرب الذين فرضت عليهم الأزمات مغادرة أوطانهم، من فلسطين إلى العراق وسورية، في تجربة إنسانية وسياسية تؤكد أن الالتزام الأردني ليس شعارا، بل ممارسة مستمرة، تحمل كلفا اقتصادية واجتماعية كبيرة.
كما لم يتردد الأردن في حمل القضايا العربية إلى المنابر الدولية، مدافعا عن حقوق الشعوب العربية، ومعبّرا عن مصالحها في المحافل المختلفة، مستندا إلى رصيد عالٍ من الاعتدال والموثوقية السياسية، جعله صوتا مسموعا في دوائر القرار الدولي.
الحراك الدبلوماسي الأردني الراهن يمكن فهمه بوصفه امتدادا طبيعيا لهذا الدور، فالأردن لا يسعى فقط إلى حماية نفسه، بل إلى الإسهام في صياغة بيئة إقليمية أكثر استقرارا، عبر الدفع نحو تنسيق عربي فاعل، يقوم على إدراك مشترك لحجم المخاطر، وعلى استعداد جماعي لمواجهتها.
ما يميز المقاربة الأردنية اليوم، هو قدرتها على الجمع بين الثوابت والمرونة، فهناك ثبات على مبدأ دعم الأشقاء ورفض استهدافهم، ومن الجانب الآخر ثمة مرونة في إدارة التعقيدات السياسية والعسكرية التي تفرضها المرحلة. وبين هذين البعدين، يتحرك الأردن بثقة، مستندا إلى تاريخ من الوفاء للقضايا العربية، وإلى رؤية ترى في وحدة الموقف العربي، السبيل الوحيد لعبور هذه المرحلة العاصفة بأقل الخسائر الممكنة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية