كراجة يكتب: الاصطفاف للداخل

{title}
أخبار الأردن -

 

سائد كراجة


مع أي صاروخ نصطف، وأي صاروخ نشجب؟ أسئلة تكمن أهميتها في دلالاتها لا في إجاباتها. فهي لا تعبر عن موقف بقدر ما تكشف عن موقع: نظام عربي غائب عن صناعة الحدث، حاضر فقط في تلقي نتائجه. الفارق الأخلاقي بين العدوان والمقاومة واضح ولا خلاف عليه، لكن هذا النوع من الأسئلة يكشف في الوقت ذاته أن العقل السياسي العربي، ومعه إلى حد بعيد الشارع العربي، قد استبدل الفعل السياسي بحالة اصطفاف تعكس عجزاً في التفكير والعمل.
 

هذا الموقع ليس عارضاً، بل نتاج مسار طويل من اصطفاف النظام العربي في محاولة خلاص انفرادي مع قوى ذات نهج استعماري. فمنذ الحرب الباردة دخلت الدول العربية في تحالفات دولية متباينة، ربطت أمنها واقتصادها بمراكز قوة خارجية بين أميركا والاتحاد السوفيتي قبل انهياره، ومع الوقت لم يقتصر أثر هذه الاصطفافات على التبعية السياسية والاقتصادية، بل امتد أثره ليعمّق الانقسام داخل النظام العربي نفسه، حتى أصبح كل طرف جزءاً من معادلة خارجية أكثر من كونه شريكاً في معادلة عربية.
في هذا السياق يبقى المشروع الصهيوني، الذي غفل أو تغافل النظام العربي – بفعل اصطفافاته – عن تقدير خطره، العامل الأعمق في إعادة تشكيل الإقليم. وقد وصفه الملك فيصل ملك السعودية رحمه الله يوماً بأنه “سرطان الشرق الأوسط”، لأنه لم يكن مجرد صراع حدود، بل مشروعاً هدف إلى إعادة تشكيل المنطقة ضمن إطار هيمنة أميركية–إسرائيلية، وحرص على إبقائها في حالة أزمات دائمة ومترابطة.
لكن ذلك لا يعني أن بقية الفاعلين خارج دائرة التقييم. فرفع شعار دعم المقاومة لا يكفي بذاته لتفسير السياسات أو تبرير نتائجها. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس عن النوايا، بل عن الحصيلة: ماذا أنتجت هذه السياسات في الإقليم، وهل أسهمت، بقصد أو بغير قصد، في تعميق الانقسام داخل دول مثل العراق وسورية ولبنان؟ إن المشكلة هنا ليست في الموقف من المقاومة، بل في طريقة التفكير حولها؛ إذ يتحول الشعار إلى بديل عن التحليل، ويُستبدل تفكيك الواقع بتكرار المواقف، حتى يغيب التمييز بين دعم القضية العادلة وبين تقييم الأدوات التي تُستخدم باسمها.
أمام هذا الواقع، يتضح أن مشاريع الوحدة العربية لم تفشل صدفة. فقد قامت في معظمها كردود فعل سياسية أو عاطفية، لا كمشاريع عقلانية قائمة على الاقتصاد والمصالح المشتركة، ولذلك لم تصمد، وانتهت وبالاً على الأمة، وكذلك تجربة عدم الانحياز، رغم بعدها السياسي، لم تتحول إلى قوة إنتاجية قادرة على خلق استقلال فعلي. واليوم يُطرح الالتفات نحو الشرق الأقصى، الصين وغيرها، كخيار بديل، وهو توجه مفهوم في تنويع العلاقات، لكنه لا يغيّر المنهج؛ فاستبدال اصطفاف بآخر لا ينجي من الأزمة، بل يعيد إنتاجها.
هنا، تبرز فكرة الاصطفاف للداخل العربي عامة بوصفها تحوّلاً في المنهج لا في الاتجاه. فالمقصود ليس الانعزال عن العالم، بل إعادة بناء القدرة من الداخل بحيث تصبح العلاقة مع الخارج خياراً لا حاجة. قد تبدو هذه الفكرة طوباوية، خاصة في هذه الظروف، لكن المشاريع الكبرى لا تبدأ بالضرورة في ظروف مثالية، بل في لحظات الانكشاف، وربما الانهيار.
الاصطفاف للداخل لا يُطرح كدعوة نظرية، بل كمسار عملي يقوم على بناء مصالح اقتصادية مشتركة بين أقطار العالم، فالعالم العربي يمتلك عناصر قوة واضحة، لكنها بقيت موزعة بين دول منفردة، لكن تحويل هذه العناصر إلى شبكة مصالح هو المدخل الواقعي لأي استقرار سياسي.
وعليه، فإن البداية قد لا تكون بمشروع شامل، بل بنواة محدودة بين دول قادرة. ويمكن تصور محور اقتصادي سياسي يضم السعودية ومصر والأردن، يجمع بين الطاقة والسوق والموقع، ويؤسس شبكة قابلة للتوسع. طبعاً القوى التي تهيمن على القرار العربي لا يسرها هكذا توجه، وستحاول إعاقته حتماً، ولكن في تصوري أن اللحظة فيها توافق بين الشعوب والأنظمة العربية على مثل هذا التوجه باعتباره خلاصاً للجميع، وآمل في المستقبل.
الاصطفاف للداخل ليس ترفاً سياسياً، بل الحد الأدنى الممكن لاستعادة القدرة على الفعل. قد يختلف العرب على المسار والتفاصيل، لكنهم لا يملكون ترف الاختلاف على ضرورة البدء. ربما تكون هذه الأزمة، بكل ما فيها من قسوة وانكشاف، هي اللحظة التاريخية التي تفرض ذلك، لا بوصفه خياراً، بل كضرورة وجودية. جنابك

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية