العثامنة يكتب: بين المتفرج والوسيط... أين اختفى المواطن؟

{title}
أخبار الأردن -

 

مالك العثامنة


في كتابه الجديد "المتفرج والوسيط"، لا يكتب الزميل والصديق سامح المحاريق عن السلطة ككيان بعيد وغامض، بل عن المجتمع الذي تعلّم أن يتفرج، وعن نخب تعلّمت أن تتوسط، وعن دولة تتحول بهدوء إلى مائدة حصص، لا إلى عقد مواطنة.
 

المزعج في الكتاب أنه صادق، لأنه ببساطة وذكاء يضع أصبعه على جرح قديم، حين يقول إننا وصلنا إلى فائض من التشخيص وقليل من الفعل، ونعيد اختراع العجلة مرة بعد أخرى، من غير أن ننتبه أن العربة نفسها غير موجودة، وهذه ليست جملة أدبية، بل وصف لحالة عربية كاملة ملخصها أننا نكتب كثيرا ونغير قليلا.
يكمن ذكاء الصديق والزميل سامح في هذا الكتاب ليس في الأفكار الكبيرة فقط، بل في التقاطاته الصغيرة، وقدرته على رؤية لحظة عابرة وتحويلها إلى مفتاح لفهم مجتمع، من ذلك مثلا التقاطه للافتة في مطعم شعبي مغمور في القاهرة تقول (مفيش حاجة بجنيه) لتصبح عنده تأملا في انهيار قيمة العُملة، ثم في تآكل الطبقة الوسطى، ثم في هشاشة الدولة نفسها، لأن العملة التي تفقد معناها تفقد معها الثقة، والثقة هي رأس مال الدولة الحقيقي.
في تحليله للبنية السياسية العربية يذهب أبعد من نقد السلطة، فيفتش في طبقة الوسيط، من خلال الزعيم الطائفي، أو رجل النفوذ، والمثقف الرسمي، أو الإعلامي الذي يبيع رواية جاهزة، فهؤلاء احتكروا تمثيل الناس، ثم دخلوا في صراع على مكتسبات الدولة، لتتحول الدولة إلى كعكة، والنجاح يصبح تعريفه زيادة المغنم مقابل التملص من المغرم، هذه ليست قصة لبنان وحده التي أفرد الفكرة لها في فصل عن لبنان، بل نموذج عربي يتكرر حين تفقد الدولة معناها كمؤسسة مواطنة.
الأقسى في الكتاب نقده للمثقف العربي، إذ إنه يرى أن أدوات المعرفة تطورت، لكن العلاقة مع السلطة بقيت كما هي، خدمة أو معارضة من داخل منطقها، وهذا سؤال أخلاقي لنا نحن الصحفيين والكتاب، فهل نحن شهود أم وسطاء؟
أما في قراءته لعبد الناصر فيصف العلاقة الأبوية التي أحب فيها الحاكم شعبه لكنه لم يثق به، وشعر الشعب فيها بالأمان لكنه فقد حق السؤال، فالسياسة لا تبنى على العاطفة وحدها بل على المؤسسات، والهوية حين تتحول إلى خوف تصبح عبئا على الدولة لا طاقة لبنائها.
أهمية هذا الكتاب أنه يأتي في لحظة عربية تتسارع فيها مشاريع الاقتصاد بينما السياسة تمشي ببطء، فيكبر الفراغ، ويكبر الوسيط داخله.
سامح المحاريق يكتب كاقتصادي يفكر كمؤرخ، ويربط بين قصة صغيرة وبنية كبيرة، ويسأل سؤالا بسيطا وموجعا: حين نشتكي من الوسيط، فهل نحن مستعدون أن نتخلى عن راحته؟ وحين نلوم السلطة، فهل نحن مستعدون أن ندفع كلفة المواطنة؟
هذا كتاب يضعنا مؤلفه أمام المرآة، لا أمام السلطة فقط، ليقول لنا بوضوح: إما أن نبقى متفرجين، أو نعيد اكتشاف معنى المواطن.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية