غنيمات يكتب : "الدولة بين الردع والمساءلة"
طلال غنيمات
لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني مجرد قراءة للتحديات التي تواجه الأردن، بل حمل رسائل سياسية واضحة إلى الداخل والخارج، أعاد من خلالها رسم ملامح المسؤولية الوطنية، ووضع محددات أساسية لحماية الدولة وتعزيز منعتها في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.
فالرسالة الملكية، كما نقرأها، تنطلق من معادلة واضحة: لا يمكن لدولة أن تواجه التهديدات الخارجية ما لم تكن جبهتها الداخلية متماسكة، ومؤسساتها قوية، وسيادة القانون فيها فوق الجميع.
ومن هنا جاء استهلال الحديث بجريمة الكرك، في دلالة تتجاوز الواقعة ذاتها إلى التأكيد أن استهداف أي مكوّن من مكونات المجتمع الأردني هو استهداف للدولة بأكملها. فالوحدة الوطنية ليست شعارًا للاستهلاك السياسي، وإنما ركيزة أساسية في معادلة الأمن والاستقرار، وأي اعتداء على مواطن أو مكوّن ديني أو اجتماعي يمس النسيج الوطني برمته.
وفي البعد الخارجي، حمل التركيز الملكي على قضية المياه رسائل لا يمكن فصلها عن التطورات المتسارعة في المنطقة، ولا سيما الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب السوري وما تفرضه من مخاطر على الأمن المائي الأردني. فالمياه لم تعد مجرد قضية خدماتية أو تنموية، بل أصبحت جزءًا من الأمن الوطني والسيادة ومقومات الاستقرار، الأمر الذي يستدعي استعدادًا استراتيجيًا لمواجهة أي تهديد يطال الموارد الحيوية للمملكة.
أما في الداخل، فقد كانت الرسالة الأكثر مباشرة موجهة إلى المسؤولين، ومفادها أن المنصب العام ليس امتيازًا شخصيًا، ولا وسيلة للوجاهة والنفوذ، ولا حصانة تحمي صاحبه من المساءلة. المسؤولية تكليف وليست تشريفًا، وقيمة المسؤول تُقاس بما ينجزه للمواطنين والدولة، لا بما يشغله من موقع أو يمتلكه من صلاحيات.
وهنا تبرز أهمية إعادة الاعتبار لمفهوم المساءلة المؤسسية، بحيث لا يكون الموقع العام غطاءً للأخطاء أو وسيلة لتعطيل القانون، بل مساحة للعمل والإنجاز وتحمل النتائج، بعيدًا عن المحاباة والاعتبارات الشخصية.
ولعل التحدي الأهم الذي يواجه الحكومة والبرلمان اليوم يتمثل في ترجمة هذه الرسائل إلى نتائج ملموسة، فاستعادة ثقة الأردنيين بمؤسسات الدولة لا تتحقق بالوعود والخطابات، وإنما بالعدالة، ومحاسبة المقصرين، وتحسين الأداء، وإنجاز ما يلمسه المواطن في حياته اليومية.
إن الخطاب الملكي يضع الجميع أمام مسؤولياتهم، ويؤكد أن حماية الأردن لا تقتصر على مواجهة الأخطار القادمة من الخارج، بل تبدأ أيضًا بتحصين الداخل من الترهل وسوء الإدارة وغياب المساءلة.
فالدولة القوية هي التي تمتلك قرارها في الخارج، وتفرض القانون بعدالة في الداخل، وتمنح مواطنيها الثقة بأن المسؤول، مهما علا موقعه، ليس فوق المحاسبة.







