اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

شلبي يكتب : "الوطن بين الحدود الجغرافية وظلال المعتقد"

{title}
أخبار الأردن -

الدكتور سعد شاكر شبلي

يولد الإنسان في جغرافيا محددة فيمنحها اسمه، ويولد في كنف فكرة غيبية فتمنحه يقينها. وبين حدود الخريطة وظلال المعتقد، تتقاطع مصائر الشعوب وتتشكل الهويات. لطالما كان "الوطن" في الفكر الفلسفي الحديث هو الصهارة التي تذوب فيها التناقضات لتنتج عقداً اجتماعياً عادلاً، بينما بقيت "العقيدة" واحة الروح الخاصة التي تفقد بريقها وتتحول إلى أداة إقصاء كلما أُقحمت في حسابات السياسة وإدارة الدولة. اليوم، يقف العالم العربي في عين العاصفة، يعاني مخاض هوية ممزقة وولاءات عابرة للحدود تضعف الكيان الوطني وتغذي الانقسام العمودي.

نسعى في السطور التالية إلى تفكيك هذه الثنائية المعقدة دينياً وفلسفياً، واستكشاف كيف يمكن للحلول البنيوية في مجالي الدستور والتعليم أن تعيد للوطن اعتباره كقيمة عليا وأشمل، قادرة على صون التعددية وإنقاذ مستقبل الدولة المدنية المعاصرة.

أولاً: تفكيك المفاهيم.. فيزياء الجغرافيا وميتافيزيقا الإيمان

للبدء في معالجة هذا الشرخ المعرفي، لا بد أولاً من تفكيك المصطلحين وتجريدهما لنفهم طبيعة التماس بينهما، ووفق الآتي: 

  • التجليات الفلسفية والسياسية للوطن : هو ليس مجرد رقعة ترابية أو مسقط رأس، بل هو "عقد اجتماعي" متكامل، ومنظومة قانونية قائمة على الحقوق والواجبات المتبادلة. إنه الهوية الأفقية الجامعة التي تتسع لجميع التناقضات والاختلافات العرقية والدينية تحت مظلة واحدة تُسمى "المواطنة".
  • المفهوم الاجتماعي والثقافي للوطن : يشير إلى بقعة الأرض التي تولد فيها جماعة من البشر وتستقر عليها، وتتشكّل فيها هويتهم وتاريخهم وثقافتهم المشتركة. أما المفهوم السياسي والجغرافي، فهو الإقليم أو المساحة الجغرافية المحددة التي يحكمها نظام سياسي، ويجمع أبناءها حق الانتساب والانتماء، وتتلازم فيها الحقوق والواجبات بين الفرد والدولة.

في المقابل، فالعقيدة في المعنى العام هي الإيمان الجازم والحكم القاطع الذي لا يتطرق إليه الشك لدى المعتقد، سواء أكان حقاً أم باطلاً. وتتبدى "العقيدة" كمنظومة من المبادئ، والتشريعات الروحية، والإيمانيات الميتافيزيقية التي تنظم علاقة الفرد بالخالق والوجود. وإذا كان الوطن يتسم بالمرونة والاتساع والحدود الفيزيائية، فإن العقيدة بطبيعتها المعرفية واللاهوتية تتسم بـ"الخصوصية والإقصاء المعرفي" (بمعنى أن كل صاحب عقيدة يرى في عقيدته الحق المطلق وما دونها باطل)، فضلاً عن كونها عابرة للحدود الجغرافية وتخاطب ديموغرافيا ممتدة لا تحكمها تضاريس الخريطة.

  • العقيدة السياسية: تقوم على مجموعة المبادئ الفكرية، والقيم، والأهداف العليا والأساسية التي تتبناها الدولة أو التنظيم السياسي، وتوجّه بناءً عليها سياساتها الداخلية والخارجية.

ومن أبرز أنواع العقائد السياسية: العقائد القومية مثل الفكر القومي والعروبة، والتي ترتكز على وحدة اللغة، والتاريخ، والأصل. والعقائد الديني التي تستمد أصولها وتشريعاتها من المرجعيات الدينية (كالإسلامية أو المسيحية أو اليهودية) وتجعل الدين ناظماً للشأن العام أو نظام الحكم. وهناك العقائد الطبقية أو الاقتصادية مثل الشيوعية والماركسية أو الرأسمالية. فيما تركز العقائد الليبرالية أو الاشتراكية على الحريات الفردية والديمقراطية أو على العدالة الاجتماعية وملكية وسائط الإنتاج.

  • العقيدة في الاصطلاح الإسلامي : تمثل التصور الكلي اليقيني عن الله الخالق، وعن الكون والإنسان والحياة، وما قبلها وما بعدها، وعما أجمع عليه السلف الصالح والتسليم التام لله. فيما تمثل العقيدة العسكرية مجموعة القيم، والمبادئ الفكرية، والنظريات الرسمية المُلزمة التي توجه القوات المسلحة في كيفية بناء وتوظيف قوتها في السلم والحرب لتحقيق أهداف الأمن القومي للدولة.

وتنقسم مباحث العقيدة الإسلامية عادةً إلى ثلاثة محاور رئيسية، هي:

  • الإلهيات: الحديث عن ذات الله، وأسمائه، وصفاته، وتنزيهه عن كل نقص.
  • النبوات: الإيمان بصدق الأنبياء، وعصمتهم، وما جاءوا به من البينات.
  • السمعيات (الغيبيات): الأمور التي لا تُعلم إلا عن طريق الوحي كالبعث، والنشور، والصراط، وعذاب القبر ونعيمه.

 

ثانياً: ثنائية الأرض والسماء.. كيف نظر الفلاسفة والأديان للمصطلحين؟

هذا التباين الهيكلي بين المفهومين أحدث انقساماً حاداً عبر التاريخ بين الرؤية الفلسفية التنويرية والرؤية الدينية التقليدية:

  • المسار الفلسفي (تأصيل شمولية الوطن): منذ العصر اليوناني القديم، اعتبر أرسطو وأفلاطون أن "المدينة" (الوطن) هي أعلى أشكال التنظيم البشري التي تتحقق فيها إنسانية الفرد، جاعلين من الدين طقساً تابعاً لاستقرار الدولة. ومع بزوغ عصر التنوير وفلسفة العقد الاجتماعي مع توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، تبلور المفهوم الحديث للوطن؛ حيث نادى هؤلاء بفصل العقيدة عن الفضاء العام وجعلها شأناً فردياً خاصاً لحماية السلم الأهلي من الحروب الدينية، وصياغة "دين مدني" يرتكز على الولاء للوطن وحده كقيمة أشمل تتسع للمؤمن والمخالف والملحد على حد سواء وبذات الدرجة من الحقوق.
  • المسار الديني (مركزية العقيدة):  على المقلب الآخر، تضع الأديان السماوية "العقيدة" كقيمة مطلقة ومركزية تتفوق على ما دونها. ففي حين دمجت اليهودية التقليدية الجغرافيا بالمعتقد (الأرض الموعودة)، ميزت المسيحية المبكرة بين الزمني والروحي (أعطوا ما لقيصر لقيصر) لكنها أبقت المواطنة السماوية هي الأصل والوطن الأرضي محطة مؤقتة. أما في الإسلام، فرغم الاعتراف بالفطرة الإنسانية لحب الأوطان، إلا أن الفقه التقليدي قدّم (الأمة العقائدية) كروابط عليا تتجاوز الجغرافيا، وقسّم العالم على أساس عقائدي (دار إسلام ودار حرب)، قبل أن يتجه الفكر الإسلامي الحديث لاحقاً لمحاولة التكيف مع مفهوم الدولة الوطنية.

وتأسيساً على ما سبق، يظهر الفارق الجوهري في إدارة الاختلاف: الفلسفة الحديثة ترى الوطن أشمل واقعياً لأنه يقف على مسافة واحدة من الجميع ويحمي المشترك اليومي للبشر، بينما الأديان ترى العقيدة أشمل غيبياً لكنها تضع أحكاماً تراتبية تصنف الآخرين بناءً على درجة إيمانهم، مما يجعلها عاجزة عن تقديم مساواة سياسية وقانونية مطلقة في مجتمع متعدد التوجهات.

ثالثاً: الوطن والعقيدة في المدارس الفكرية الحديثة

يختلف مفهوم الوطن والعقيدة بشكل جذري بين الفكر القومي، والفكر الرأسمالي (الليبرالي)، والفكر الاشتراكي (الماركسي)، حيث تنطلق كل أيديولوجية من فلسفة مختلفة لتفسير روابط المجتمع والغاية من وجود الدولة.

ويمكن تلخيص وجهات نظر  مقارنة شاملة تلخص وجهات نظر هذه التيارات الثلاثة:

  1. الفكر القومي (Nationalism)

يضع الفكر القومي الأمة والوطن في مقدمة أولوياته، ويعتبرهما القيمة الأسمى التي تدور حولها حياة الفرد والمجتمع.

  • مفهوم الوطن: هو الأرض التاريخية التي تجمع جماعة بشرية تشترك في اللغة، الثقافة، التاريخ، والمصير المشترك. الوطن هنا ليس مجرد رقعة جغرافية، بل هو كيان روحي ووجداني يملك الفرد ارتباطاً عضلياً وتاريخياً به، والولاء له يجب أن يعلو فوق أي ولاء آخر.
  • مفهوم العقيدة: يُنظر إلى العقيدة (سواء كانت دينية أو أيديولوجية) من خلال عدسة مصلحة الأمة. في القومية العلمانية، يُفصل الدين عن الدولة ويُعتبر جزءاً من التراث الثقافي الذي يعزز الهوية المشتركة. أما في القومية الدينية، فتدمج العقيدة الدينية بالهوية الوطنية لتصبح العقيدة هي الروح والوطن هو الجسد.
  1. الفكر الرأسمالي / الليبرالي (Capitalism / Liberalism)

ينطلق الفكر الرأسمالي من الفردية والحرية الشخصية والمصلحة الاقتصادية كقاعدة أساسية لتفسير الروابط الاجتماعية.

  • مفهوم الوطن: يُنظر إلى الوطن كإطار قانوني وسياسي (الدولة الوطنية) يحمي حقوق الأفراد، ملكياتهم الخاصة، وحرياتهم، ويوفر بيئة آمنة للتجارة والاستثمار. الارتباط بالوطن يقوم على عقد اجتماعي ونفعي متبادل؛ فالوطن يزدهر عندما يتاح للأفراد حرية السعي وراء مصالحهم الاقتصادية.
  • مفهوم العقيدة: العقيدة (الدينية أو الفكرية) هي شأن شخصي بحت وحرية فردية مكفولة بالقانون. تبنى الرأسمالية الليبرالية مبدأ "العلمانية" وفصل الدين عن الدولة لضمان عدم تأثير عقيدة معينة على السوق الحرة أو التمييز بين المواطنين، مما يتيح التعددية الفكرية والدينية.
  1. الفكر الاشتراكي / الماركسي (Socialism / Marxism)

تتأسس الاشتراكية على المادية التاريخية والصراع الطبقي، وترى العالم من خلال العلاقات الاقتصادية والإنتاجية.

  1. مفهوم الوطن: في الفكر الاشتراكي الكلاسيكي (الماركسي)، يُنظر إلى "الوطن" التقليدي بحذر، حيث اعتبر ماركس أن "العمال لا وطن لهم" لأن البروليتاريا (الطبقة العاملة) مضطهدة في كل مكان. يرى الفكر الاشتراكي أن الحدود الوطنية تُستغل أحياناً من الطبقة البرجوازية لتقسيم العمال وإثارة النزاعات. ومع ذلك، في التطبيقات العملية (كالاشتراكية السوفيتية أو الصينية)، ظهر مفهوم "الوطنية الاشتراكية" الذي يربط حب الوطن بالدفاع عن المكتسبات الثورية والعدالة الاجتماعية ضد الاستعمار.
  2. مفهوم العقيدة: عادى الفكر الماركسي التقليدي العقائد الدينية واعتبرها أداة تستخدمها الطبقات الحاكمة لتخدير الشعوب وتبرير الاضطهاد (الدين أفيون الشعوب). تحل "العقيدة الاشتراكية المادية" محل العقائد الغيبية، لتصبح المبادئ القائمة على المساواة، محو الطبقات، والعمل الجماعي هي العقيدة الموجهة للدولة والمجتمع.

مقارنة بين مرتكزات المدارس الفكرية الحديثة

  1. الفكر الرأسمالي
  • المرجعية الأساسية: الفرد، الحرية، والسوق
  • نظرة الوطن: إطار قانوني يحمي الحقوق والمصالح الفردية
  • نظرة العقيدة:  حرية شخصية وشأن خاص بعيداً عن الدولة
    1. الفكر الاشتراكي
  • المرجعية الأساسية: الطبقة العاملة والعدالة الاقتصادية
  • نظرة الوطن: وسيلة لحماية حقوق العمال (أو مرحلة نحو الأممية)
  • نظرة العقيدة:  فكر مادي يرفض الميتافيزيقيا ويسعى للمساواة
    1. الفكر القومي
  • المرجعية الأساسية: الأمة، اللغة، والتاريخ المشترك
  • نظرة الوطن: كيان روحي وتاريخي له الولاء المطلق
  • نظرة العقيدة:  أداة لتعزيز الهوية والوحدة الوطنية

رابعا: الواقع العربي المعاصر وأزمة الهوية "الفصامية"

وعند إسقاط هذا التفكيك الفلسفي على واقع المجتمعات العربية الحديثة، نجد أنفسنا أمام أزمة هوية بنيوية ومزمنة. فمنذ انهيار الخلافة العثمانية ونشوء "الدولة الوطنية والقُطرية" بعيد الاستعمار، عجزت الأنظمة العربية عن تحويل "الوطن" إلى مظلة قانونية ودستورية ناجزة. هذا الفراغ في مفهوم المواطنة الحقيقية أنتج ما يمكن تسميته بـ"الهوية الفصامية"، حيث يتنازع المواطن العربي ولاءات متصارعة: الولاء القبلي أو الطائفي (الهوية الأصغر والأقوى وقت الأزمات)، والولاء الوطني الرسمي (المكتوب في جواز السفر)، والولاء العقائدي العابر للحدود.

ونتيجة لعجز الدولة عن فرض الوطن كحاضنة محايدة تحمي الحقوق، ارتد الأفراد نحو طوائفهم وعقائدهم كملجأ وحيد لضمان الأمن والامتيازات. وتجلى هذا التقديم للعقيدة على حساب الوطن في مظاهر كارثية عاصرتها المنطقة؛ من انقسامات عمودية ومجتمعية حادة (سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين)، وعولمة للولاءات لصالح مشاريع إقليمية عابرة للحدود (مثل الإسلام السياسي وميليشيات ولاية الفقيه)، وصولاً إلى أزمة الأقليات التي تحولت في دساتير الأغلبية الدينية إلى مواطنين من الدرجة الثانية، مما أدى في النهاية إلى ارتهان الأوطان الحقيقية وتدمير نسيجها الاجتماعي.

خامساً: خريطة الطريق.. الحلول الدستورية والتعليمية لإنقاذ الدولة الوطنية

إن الانتقال بالمجتمعات العربية من أوهام "الأمة العقائدية" الإقصائية إلى رحابة "الدولة الوطنية" الجامعة ليس ترفاً فكرياً، بل هو طوق النجاة الوجودي الأخير. هذا التحول يتطلب ثورة بنيوية على مسارين متوازيين:

  1. الهندسة الدستورية (تأسيس العقد الاجتماعي الجديد)

تُعرف الهندسة الدستورية(Constitutional Engineering)  بأنها العملية التي يقوم من خلالها الفاعلون السياسيون بصياغة القانون الأعلى للدولة، والذي يُحدد عادة في وثيقة مكتوبة رسمية تُسمى الدستور.

وتهدف هذه العملية إلى ترجمة العقد الاجتماعي الجديد وتحويله من مجرد فكرة فلسفية إلى بنية قانونية ومؤسسية واضحة تنظم العلاقة بين الأفراد والدولة، وذلك من خلال:

  • دسترة المواطنة الصامتة: النص صراحة في صلب الدساتير على أن الهوية الوطنية هي الرابط القانوني الوحيد والوحيد بين الدولة والمواطن، مع إلغاء أي تمييز في تولي المناصب السياسية (بما فيها رئاسة الدولة) بناءً على الدين أو المذهب.
  • تحييد "مواد الهوية الشارحة": العمل على تحرير القوانين والتشريعات من سلطة النص العقائدي التقليدي، إما بتبني العلمانية المحايدة أو بإعادة تفسير الدستور بما يضمن عدم المساس بحقوق غير المنتمين لعقيدة الأغلبية.
  • مدنية قوانين الأحوال الشخصية: إقرار قانون مدني موحد وشامل للأحوال الشخصية (زواج، طلاق, إرث) يطبق بالتساوي على الجميع، لإنهاء أكبر مكرّس للانقسام الطائفي في المحاكم العربية.
  • حظر الأحزاب الثيوقراطية: منع قيام أي تشكيلات سياسية على أسس دينية أو طائفية، وحصر العمل السياسي بالبرامج التنموية والاقتصادية والمدنية.
  1. الهندسة التعليمية (إعادة صياغة العقل العربي) 

الهندسة التعليمية هي نموذج فكري وتربوي يهدف إلى تجاوز مفهوم التعليم التقليدي القائم على التلقين والحفظ، والانتقال نحو بناء العقل النقدي والتحليلي والإبداعي القادر على التفاعل مع معطيات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، ونجد أن هذا النوع يتطلب:

  • إلغاء الفصل الديني الدراسي: استبدال حصص التربية الدينية المنفصلة (التي تعزل المسلم عن المسيحي منذ الطفولة) بمادة موحدة تُعنى بـ"تاريخ الأديان والحضارات والفلسفة الأخلاقية"، ليدرس الطلاب معاً الدين كمنجز إنساني وثقافي يعزز المشترك الأخلاقي.
  • أنسنة وتوطين مناهج التاريخ: إعادة كتابة المناهج لتتخلص من السرد الأيديولوجي العقائدي (المرتبط بالفتوحات والامبراطوريات البائدة)، والتركيز بدلاف من ذلك على تاريخ الجغرافيا الوطنية، وإبراز التنوع العرقي والثقافي المحلي (أمازيغ، كرد، نوبيين، آشوريين) كعنصر إثراء وطني.
  • مأسسة التفكير النقدي: الانتقال بالفلسفة التعليمية من التلقين والحفظ (الذي يخدم النص العقائدي الجاهز والمطلق) إلى مناهج السؤال العلمي والتفكير النقدي، مما يحصن الطالب ضد خطابات التطرف ويجعله يميز بدقة بين "الحقائق المدنية" المشتركة و"القناعات الإيمانية" الشخصية.

خاتمة: نحو جغرافيا تتسع للجميع

في نهاية هذا المطاف الفكري، يتجلى لنا أن "الوطن" ليس مجرد رقعة جغرافية تحرسها الحدود، بل هو فكرة أخلاقية وقانونية تولد لحماية الإنسان من تغول أخيه الإنسان. إن الوطن يمكنه ببساطة أن يتسع لآلاف العقائد، والمذاهب، والشكوك، والأفكار، شريطة أن تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع كحارس محايد للعقد الاجتماعي. وفي المقابل، يثبت التاريخ والواقع العربي المعاصر أن العكس غير صحيح مطلقاً؛ إذ لا يمكن لـ"العقيدة الدينية" –ببنيتها الإقصائية التقليدية– أن تمنح مساواة سياسية أو قانونية مطلقة لمن يختلف معها في صلب يقينها الروحي.

إن تقديم الوطن كقيمة أشمل وأسمى ليس دعوة لإلغاء المعتقدات أو مصادرة الأشواق الروحية للبشر، بل هو دعوة لرفع "ظلال المعتقد" عن كاهل السياسة والقانون، وإعادتها إلى مكانها الأرقى: واحة الضمير الفردي والحرية الشخصية. إن العبور بالمجتمعات العربية نحو "الدولة الوطنية" الحديثة عبر بوابتي الدستور والتعليم، هو الخطوة الوجودية الأولى لتوطين العقل العربي وتجفيف منابع الاحتراب الأهلي. وحين يتقدم الوطن كقيمة عليا، تتحول الحدود الجغرافية من خطوط  للفصل والنفي إلى مساحات للأمن والنماء، حيث يتساوى الجميع تحت سقف القانون بالحق والواجب، دون أن يسأل الإنسان جاره عن صك إيمانه، بل يشاركه في بناء الأرض التي تقلّهم معاً.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية