البواعنه يكتب : "خطاب العرش.. لا تراجع في المواقف ولا حصانة للمقصرين"
العميد المتقاعد طلال البواعنه
في توقيت بالغ الحساسية، تتشابك فيه التهديدات الأمنية مع التحولات الإقليمية والضغوط الاقتصادية والمعيشية، جاء خطاب العرش لجلالة الملك عبدالله الثاني المعظم محمّلاً برسائل سياسية ووطنية حازمة، لم تقتصر على تحديد أولويات المرحلة المقبلة، بل رسمت بوضوح ملامح الدولة القوية التي تتمسك بثوابتها، وتصون أمنها، وتحمي مصالح مواطنيها، وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
استهل جلالة سيدنا " حفظه الله" خطابه من جرح الكرك، في استحضار مؤلم لجريمة إرهابية حاولت النيل من أمن الوطن ووحدة مجتمعه. لكن الرسالة الملكية تجاوزت الإدانة إلى تأكيد أن الإرهاب لا مكان له في العائلة الأردنية، وأن قوة الدولة لا تستند إلى جاهزية مؤسساتها العسكرية والأمنية فحسب، بل إلى وعي شعبها وتماسكه وقدرته على مواجهة المحن دون أن يفقد بوصلته الوطنية. وهنا تتجلى أهمية الرهان الملكي المتجدد على المواطن الأردني بوصفه شريكاً أصيلاً في حماية الدولة وصون استقرارها، وصياغة عقد اجتماعي يقوم على ركيزة راسخة " أن من يمس أمن الأردن يخرج من نسيجه".
وفي الشأن الإقليمي، واصل جلالته توجيه رسائله القوية والواضحة تجاه سياسات الحكومة الإسرائيلية وانتهاكاتها المتصاعدة، محذراً من أطماعها التوسعية ومخاطرها على مستقبل المنطقة بأسرها. ولم تكن عباراته بشأن الطغيان والزمن والحقيقة مجرد تعبيرات سياسية عابرة، بل تأكيداً أن فرض الوقائع بالقوة لا يمنحها الشرعية، وأن استمرار الانتهاكات لن يبدل الموقف الأردني الراسخ تجاه الحقوق الفلسطينية. وهي رسالة تحمل في مضمونها رفضاً لمحاولات إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي على حساب الشعب الفلسطيني وأمن المنطقة واستقرارها.
غير أن اللافت في الخطاب أن هذا الموقف الإقليمي الصلب لم يأتِ على حساب القضايا الوطنية الداخلية. فجلالة الملك، وهو يواصل الدفاع عن قضايا الأمة، أعاد التأكيد أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب القرار الوطني، وأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بحجم المشاريع المعلنة، بل بما يلمسه المواطن في معيشته وفرص عمله وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه. وفي ذلك تأكيد أن قوة الموقف الخارجي تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، تستند إلى الثقة والإنجاز والشعور بالعدالة.
وجاء التكرار الملكي اللافت لعبارة " المياه، المياه، المياه" ليحمل ما يشبه الإنذار الاستراتيجي، بأن الأمن المائي لم يعد ملفاً خدمياً أو اقتصادياً تقليدياً، بل قضية سيادية تمس حاضر الدولة ومستقبل أجيالها، وتستوجب قرارات استباقية وتنفيذاً لا يحتمل التباطؤ.
أما الرسالة الأكثر صرامة في الداخل، فقد تمثلت في التأكيد أن الوظيفة العامة مسؤولية وليست امتيازاً، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، أياً كان اسمه أو موقعه أو نفوذه. وهذه ليست مجرد دعوة لمكافحة الفساد، بل تأكيد على مبدأ جوهري في بناء الدولة؛ أن هيبتها لا تتحقق بحماية المسؤولين من المساءلة، وإنما بخضوع الجميع لسيادة القانون دون استثناء.
ولم يغفل الخطاب مسؤولية مجلس الأمة، حين ربط بين دوره التشريعي والرقابي وبين سلوك أعضائه وخطابهم، في رسالة مفادها أن ثقة المواطنين بالمؤسسات لا تصنعها النصوص القانونية وحدها، بل الممارسة المسؤولة واحترام المصلحة الوطنية.
في المحصلة، لم يكن خطاب العرش مجرد عرض لأولويات الدولة، بل تجديداً لمعادلة الحكم والمسؤولية: لا مساومة على أمن الأردن، ولا تراجع عن حقوق الفلسطينيين، ولا تأجيل لاستحقاقات المواطن، ولا حصانة لأحد أمام القانون.
ويبقى الامتحان الحقيقي في قدرة الحكومة ومجلس الأمة ومؤسسات الدولة على تحويل هذه الرسائل الواضحة إلى سياسات وإنجازات ملموسة، فالأردنيون لا ينتظرون مزيداً من الوعود بقدر ما ينتظرون نتائج تعزز ثقتهم بدولتهم ومستقبلهم.







