تحذيرات من كلفة اجتماعية وإنسانية لتثبيت التوقيت: 52 وفاة وقصة الـ700 ألف متقاعد
حذّر أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي من أن قضية تثبيت التوقيت في الأردن لا يمكن اختزالها في حسابات استهلاك الطاقة أو الضغط على شبكة الكهرباء، مضيفًا أن القرار يرتبط بتداعيات اجتماعية وإنسانية تمس شرائح واسعة من المجتمع، بدءًا من طلبة الجامعات والموظفين، وصولًا إلى المتقاعدين والأسر التي تواجه أعباء إضافية في التدفئة والتنقل.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن وجود نحو 500 ألف طالب في الجامعات الأردنية يجعل مسألة توقيت الدوام الجامعي واحدة من أبرز القضايا التي ينبغي التوقف عندها، موضحًا أن غالبية هؤلاء الطلبة ليسوا من سكان العاصمة أو المدن، فهم يأتون من المحافظات والقرى، وبعضهم يضطر إلى مغادرة منزله في ساعات مبكرة للوصول إلى محاضرته الأولى.
وبيّن الخزاعي أن الوصول إلى المحاضرات الصباحية في ظل الظروف الجوية الصعبة، وما قد يرافقها من ثلوج أو انجماد وانزلاقات، يمكن أن يخلق حالة من الإرباك والقلق لدى الطلبة وأسرهم، خصوصًا أن بعض الطلبة يقطعون مسافات طويلة بين المحافظات للوصول إلى جامعاتهم.
وأشار إلى أن المحاضرة الأولى، التي تبدأ عند الساعة 8:30 صباحًا، قد تواجه انخفاضًا في الإقبال عليها من الطلبة الذين يسكنون في مناطق بعيدة، متوقعًا أن يقول الطالب في مثل هذه الظروف: لماذا أسجل في محاضرة مبكرة وأنا مضطر إلى قطع مسافة طويلة للوصول إليها؟.
ولفت الخزاعي إلى أن المسألة لا تتعلق بالطلبة وحدهم، إذ إن أعضاء الهيئات التدريسية في الجامعات قد لا يفضلون بدورهم إعطاء المحاضرات في ساعات الصباح الباكر، الأمر الذي يمكن أن ينعكس على الجداول الدراسية ويخلق حالة من الإرباك في تنظيم العملية التعليمية داخل الجامعات.
ونوّه إلى أن معالجة قضية التوقيت تحتاج إلى النظر إليها من زاوية اجتماعية واسعة، وليس باعتبارها مسألة فنية أو اقتصادية محضة، مشددًا على ضرورة أن يستمع المسؤولون في وزارة التعليم العالي ورؤساء الجامعات إلى ملاحظات المختصين والخبراء بشأن انعكاسات القرار على الطلبة وأعضاء الهيئات التدريسية.
وفي جانب آخر من حديثه، انتقل الخزاعي إلى ما وصفه بالشرائح الاجتماعية التي ينبغي أن تحضر بقوة في أي نقاش حول كلفة الطاقة، مستندًا إلى بيانات قال إنه عاد إليها في تقرير للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، قائلًا إن أعداد المتقاعدين في الأردن تصل، وفق الأرقام التي أشار إليها، إلى نحو 422,320 متقاعدًا من مؤسسة الضمان الاجتماعي، إضافة إلى نحو 275 ألف متقاعد مدني، ليصل العدد الإجمالي، بحسب طرحه، إلى قرابة 700 ألف متقاعد.
وأضاف أن 72% من المتقاعدين تقل دخولهم عن 500 دينار، متسائلًا عن قدرة هذه الفئة على تحمل ارتفاع النفقات المرتبطة بالطاقة، خصوصًا إذا اضطرت الأسرة إلى تخصيص مبالغ إضافية للتدفئة والكهرباء خلال فصل الشتاء.
وقال الخزاعي إن المتقاعد الذي يعيش بدخل محدود لن يكون قادرًا بسهولة على دفع عشرات الدنانير الإضافية على فاتورة الطاقة، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تتوقف عند فاتورة الكهرباء، وإنما تمتد إلى وسائل التدفئة التي تحتاجها الأسر خلال فصل الشتاء.
وفي هذا السياق، تطرق إلى كلفة وسائل التدفئة، مستشهدًا بتقسيم بعض المدافئ إلى فئات بحسب عدد الشعلات، ومشيرًا إلى أن هذا الأمر يعكس تفاوتًا في كلفة التشغيل والاستهلاك بالنسبة للمواطن.
وأوضح أن احتساب ساعات تشغيل المدفأة وتوزيع استهلاكها على ساعات اليوم يعطي صورة مختلفة عن الكلفة التي يمكن أن تتحملها الأسر، محذرًا من أن تثبيت التوقيت قد يفتح، بالتزامن مع ذلك، بابًا آخر من التحديات خلال ساعات الذروة الصباحية، عندما تتزامن حركة الطلبة إلى المدارس والجامعات مع توجه الموظفين إلى أعمالهم.
وقال إن اجتماع دوام الموظفين عند الساعة 8:30 صباحًا مع بدء الحصة الأولى في المدارس أو المحاضرات الجامعية في التوقيت ذاته يمكن أن يؤدي إلى ضغط كبير على حركة المرور، متسائلًا عن مصير الموظف الذي يكون مضطرًا إلى إيصال ابنه إلى المدرسة في الوقت نفسه الذي يتعين عليه فيه الوصول إلى مكان عمله.
وأضاف أن الأسر قد تجد نفسها أمام خيارات صعبة، إما إيصال الأبناء إلى المدارس على حساب الوصول إلى أماكن العمل في الوقت المحدد، أو إرسالهم قبل وقت طويل من بدء الدوام، لافتًا إلى أن المدارس، وفق ما أشار إليه، تفتح أبوابها عند الساعة 7:45 صباحًا، وهو ما يعني أن وصول الطلبة في ساعات مبكرة جدًا يصبح جزءًا من المشهد اليومي.
ونوّه الخزاعي إلى أن هذه التفاصيل ينبغي أن تُدرس بصورة جدية قبل اتخاذ أي قرارات تتعلق بالتوقيت، لأنها تمس الحياة اليومية للأسر، ولا يمكن فصلها عن حركة المرور وسلامة الطلبة والموظفين.
وانتقل إلى جانب آخر اعتبره من أكثر الجوانب أهمية، وهو السلامة المرورية، مستندًا إلى التقرير السنوي للحوادث المرورية الصادر عن مديرية الأمن العام، وقال إن التقرير يتضمن أرقامًا تستدعي التوقف عندها عند مناقشة توقيت الحركة المرورية خلال فصل الشتاء.
وأشار إلى تسجيل 5684 حادثًا بشريًا، موضحًا أن نحو 48% من الحوادث وقعت خلال فصل الشتاء.
لكنه قال إن الأهم بالنسبة إليه ليس الرقم الإجمالي للحوادث، وإنما الحالات المرتبطة بالظلام، موضحًا أن التقرير، بحسب ما أشار إليه، يسجل 47 حالة وفاة وقعت في الظلام، مقابل خمس حالات وفاة عند الشروق، ليصل مجموع الحالات التي ذكرها إلى 52 وفاة.
وقال الخزاعي إن هذا الرقم يجب أن يكون حاضرًا بقوة في النقاش حول التوقيت، معتبرًا أن وقوع هذه الوفيات في ظروف مرتبطة بالظلام يجعل السلامة المرورية عنصرًا أساسيًا عند تقييم أي تغيير في ساعات الدوام والحركة.
وأضاف أن القضية لا تتعلق فقط بتكلفة اقتصادية يمكن قياسها بالدينار، إذ وصفه بـ"الإنفاق البشري" وما يترتب على إغلاق الطرق أو صعوبة الحركة من خسائر في الوقت والجهد، فضلًا عن المخاطر التي قد تواجه المواطنين.
وأشار كذلك إلى أن الظروف الجوية الشتوية، من ثلوج وانجماد وانزلاقات، تضيف طبقة أخرى من المخاطر، خصوصًا بالنسبة لحافلات نقل الطلبة التي تتحرك بين المحافظات، محذرًا من أن أي حادث كبير لحافلة تقل طلبة جامعيين يمكن أن يترك آثارًا بالغة على الأسر والمجتمع.
وتساءل الخزاعي عن مدى استعداد الجهات الرسمية للتعامل مع مثل هذه السيناريوهات، داعيًا إلى وجود خطة طوارئ مسبقة تتعامل مع الظروف الجوية وإغلاق الطرق والازدحامات والتغيرات المحتملة في أوقات الدوام.
وقال إن هذه الخطة ينبغي أن تكون جاهزة قبل وقوع الأزمة، بحيث تكون هناك قدرة على اتخاذ قرارات مرنة بشأن دوام المدارس والجامعات والموظفين، بدل التعامل مع الظروف الطارئة بعد وقوعها.
وأضاف أن الخيارات يجب أن تشمل إمكانية تمديد أو تعديل أوقات الدوام، أو ترك مساحة للتعامل مع الظروف الميدانية وفق خطط واضحة لدى وزارة التربية والتعليم ومديريات التربية والجامعات والجهات المعنية، مضيفًا أن الاستعداد المسبق يمثل إجراءًا احترازيًا لتقليل كلفة الأزمات المحتملة.
وفي ختام حديثه، دعا الخزاعي إلى إعادة التفكير في مسألة التوقيت من منظور أوسع يأخذ في الاعتبار المجتمع والسلامة المرورية والتعليم والطاقة في آن واحد، مشيرًا إلى أن العودة إلى التوقيت الشتوي قرار تتقاطع معه تفاصيل الحياة اليومية لمئات الآلاف من الأردنيين.







