ماذا يتعلّم طلبة الأردن فعلًا؟.. خبير يضع التعليم أمام أسئلة محرجة
دعا رئيس معهديّ أميركا الشمالية التقني واللغوي في واشنطن الدكتور عبد السلام المعلا إلى مراجعة جادة لمعايير تقييم المنظومة التعليمية في الأردن، محذرًا من اختزال التقدم في ارتفاع معدلات الالتحاق بالتعليم أو اتساع أعداد الخريجين، في وقت تظل فيه جودة التعلم ومستويات التحصيل وكفاءة المهارات المكتسبة المعيار الأكثر دلالة على قدرة المؤسسات التعليمية على إعداد أجيال مؤهلة للمنافسة والإنتاج.
وأثار المعلا في تصريحٍ خاص لصحيفة "اخبار الأردن" الإلكترونية تساؤلات حول جدوى الاحتفاء بالمؤشرات الكمية والإنجازات الشكلية ما لم تنعكس بصورة ملموسة على كفايات الطلبة، وفاعلية التعليم في تلبية احتياجات سوق العمل، وقدرة الخريجين على الإسهام في رفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن المقارنة بين الأردن وسويسرا تفتح الباب أمام نقاش أوسع من مجرد المفاضلة بين الأرقام، إذ تكشف، وفق البيانات التي استند إليها، عن تفاوت في مؤشرات الالتحاق بالتعليم العالي ومستويات التحصيل الدراسي، بما يستدعي التوقف عند طبيعة السياسات التعليمية وأولوياتها والنتائج التي تحققها على أرض الواقع، لافتًا إلى أن بيانات معهد اليونسكو للإحصاء لعام 2024 تشير إلى أن معدل الالتحاق الإجمالي بالتعليم العالي يبلغ نحو 36% في الأردن، مقابل 73.5% في سويسرا.
وبيّن المعلا أن قراءة هذه الأرقام لا ينبغي أن تنفصل عن السياقات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية التي تحكم التجربتين، ولا أن تتحول إلى مقارنة رقمية مجردة، وإنما يجب أن تكون مدخلًا لفهم الفوارق في بنية التعليم وفاعلية مساراته وصلته بالتنمية.
وأضاف أن الفارق الأكثر أهمية يكمن في نوعية المعارف التي يكتسبونها، ومستوى المهارات التي يمتلكونها عند التخرج، ومدى قدرتهم على تحويل ما تعلموه إلى أداء مهني منتج. فالتعليم، وفق هذا المنظور، يُقاس بما تنتجه المؤسسات من كفاءات قادرة على التفكير النقدي وحل المشكلات والتكيف مع التحولات التقنية والاقتصادية، مشددًا على أن توسيع فرص الوصول إلى التعليم يظل هدفًا مهمًا، لكنه يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته التنموية إذا لم يقترن بضمانات حقيقية لجودة التعلم وكفاءة المخرجات.
وفي السياق ذاته، استحضر المعلا نتائج برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) التي أوردها في المقارنة، مشيرًا إلى تسجيل الأردن 388 نقطة في الرياضيات، و363 نقطة في القراءة، و407 نقاط في العلوم، مقابل 499 نقطة في الرياضيات، و470 نقطة في القراءة، و501 نقطة في العلوم في سويسرا، معتبرًا أن هذه الفوارق تستدعي قراءة تربوية ومؤسسية متأنية، تتجاوز الاكتفاء بإعلان الأرقام أو التعامل معها بوصفها مؤشرات عابرة، وصولًا إلى تحديد مكامن الخلل في اكتساب الطلبة للمعارف الأساسية، ومدى قدرة المناهج وأساليب التدريس والتقييم على بناء الفهم والتحليل والتطبيق، بدلًا من الاقتصار على الحفظ واسترجاع المعلومات.
وأوضح أن التحدي الحقيقي أمام السياسة التعليمية الأردنية يتمثل في الانتقال من منطق قياس حجم النظام التعليمي إلى قياس أثره، ومن التركيز على المدخلات، مثل أعداد الطلبة والمؤسسات والبرامج، إلى فحص المخرجات التي تحدد القيمة الفعلية للتعليم، فارتفاع معدلات الالتحاق، وتزايد أعداد حملة الشهادات الجامعية، واتساع البرامج الأكاديمية، لا تكفي منفردة لإثبات نجاح المنظومة ما لم تقترن بتحسن ملموس في مستويات التعلم، وتطور الكفايات المهنية، وتراجع الفجوة بين مخرجات المؤسسات التعليمية ومتطلبات القطاعات الاقتصادية، مضيفًا أن التعامل مع التعليم بوصفه مسارًا لإنتاج الشهادات، لا لبناء القدرات، قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين المؤهلات الأكاديمية والاحتياجات الفعلية للاقتصاد، ويضاعف كلفة الاختلالات على الأفراد والمؤسسات والدولة.
ولفت المعلا إلى أن التجربة السويسرية في التعليم المهني تستحق اهتمامًا يتجاوز حدود الزيارات الرسمية والاطلاع البروتوكولي، مستعيدًا ما أوردته وكالة الأنباء الأردنية "بترا" في 18 تشرين الثاني 2015 بشأن زيارة وزير التربية والتعليم الأسبق الدكتور محمد الذنيبات إلى سويسرا للاطلاع على تجربتها في هذا المجال، في وقت أشارت فيه المعلومات المتداولة آنذاك إلى انتقال نحو 65% من الطلبة إلى مسارات التعليم المهني بعد إتمام التعليم الأساسي، مشيرًا إلى أن استحضار هذه التجربة بعد مرور سنوات طويلة يفرض سؤالًا جوهريًا حول ما جرى استخلاصه منها، وما إذا كانت الدروس التي أُعلن عن أهميتها قد تحولت إلى سياسات مستدامة وبرامج تدريبية وشراكات إنتاجية قابلة للقياس.
وأضاف أن تطوير التعليم المهني يتطلب بناء منظومة متكاملة تربط المدارس ومؤسسات التدريب بالكليات والجامعات وأصحاب العمل، وتمنح الشركات دورًا حقيقيًا في تصميم البرامج وتوفير التدريب العملي وتحديد المهارات المطلوبة، كما يتطلب تجاوز النظرة الاجتماعية التقليدية التي تضع التعليم الأكاديمي في مرتبة أعلى من التعليم المهني، من خلال تقديم مسارات نوعية تضمن للطلبة فرصًا واضحة للتطور الوظيفي، وتوفر لهم مهارات متخصصة يحتاج إليها الاقتصاد، وتتيح لهم الانتقال بين التعليم والتدريب والعمل وفق متطلبات سوق متغيرة.
وتساءل المعلا عن حجم الشركات الأردنية التي تؤدي دورًا فعليًا في تدريب الطلبة ضمن شراكات إنتاجية مستدامة، وعن عدد البرامج التي تُصمم بالتعاون مع القطاع الخاص، ومدى ارتباط التدريب العملي بفرص العمل المتاحة بعد التخرج، لافتًا إلى أن الشراكة بين التعليم والاقتصاد يجب أن تُترجم إلى مؤشرات واضحة، من بينها نسب توظيف الخريجين، ومدى تطابق مهاراتهم مع الوظائف التي يشغلونها، ورضا أصحاب العمل عن كفاياتهم، ومستوى الإنتاجية الذي يحققونه، فضلًا عن قدرة البرامج على الاستجابة للتحولات التي تفرضها التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
ونوّه إلى أن المساءلة عن نتائج الإصلاح التعليمي ينبغي أن تصبح جزءًا أصيلًا من عملية صنع القرار، بحيث لا تقتصر مراجعة السياسات على رصد ما أُنجز من مبادرات أو ما عُقد من اجتماعات أو ما أُعلن من خطط، وإنما تمتد إلى قياس ما تغير فعليًا في الصفوف الدراسية ومؤسسات التدريب وأماكن العمل، مستطردًا أن أي إصلاح لا يستند إلى بيانات موثوقة، وأهداف محددة، ومؤشرات أداء قابلة للتحقق، يظل معرضًا لأن يتحول إلى نشاط إداري منفصل عن الأثر الذي يفترض أن يحدثه، الأمر الذي يستدعي تعزيز الشفافية في عرض النتائج، وإخضاع البرامج للتقييم الدوري، وإعادة توجيه الموارد نحو التدخلات التي تثبت فاعليتها.
وأشار المعلا إلى أن التحدي يتعلق بضرورة تحديد الطموح التعليمي الذي يسعى الأردن إلى تحقيقه، والآليات التي تضمن الانتقال من الخطط إلى النتائج، فلكل دولة سياقها الاقتصادي والاجتماعي وتركيبتها المؤسسية، غير أن اختلاف السياقات لا يلغي إمكانية الاستفادة من التجارب الناجحة، ولا يعفي صانعي السياسات من تقديم إجابات واضحة عن مواطن القصور وأسباب استمرارها، ولا سيما حين تتكرر الدعوات إلى تطوير التعليم وربطه بالتنمية من دون أن تكون آثار تلك الدعوات واضحة بالقدر الكافي في مؤشرات التعلم والتوظيف والإنتاج.
وشدد على أن بناء نظام تعليمي أكثر كفاءة يتطلب مراجعة العلاقة بين المناهج وطرائق التدريس والتقييم، وتعزيز مهارات القراءة والتحليل والتفكير العلمي، وتوسيع نطاق التعلم القائم على التطبيق، إلى جانب تأهيل المعلمين وتطوير أدوات قياس الأداء التعليمي. كما يتطلب النظر إلى التعليم المهني والتقني باعتباره خيارًا تنمويًا واستثماريًا، لا مسارًا بديلًا يُلجأ إليه عند تعثر الخيارات الأكاديمية، مع ضمان تكافؤ الفرص وجودة التدريب وارتباط المؤهلات بمسارات مهنية حقيقية.
وخلص المعلا إلى أن التقدم التعليمي يتجسد في قدرة الإنسان على توظيف المعرفة، وفي كفاءة المؤسسات في إعداد قوى عاملة منتجة، وفي قدرة الاقتصاد على استيعاب المهارات وتحويلها إلى قيمة مضافة، داعيًا إلى الانتقال من الاحتفاء بالمؤشرات والزيارات الرسمية إلى المساءلة عن النتائج، ومن إعلان الطموحات إلى قياس أثرها، معتبرًا أن السؤال الأهم مرتبط بما الذي تعلمه الطلبة فعلًا، وما المهارات التي اكتسبوها، وكيف انعكس ذلك على فرصهم ومستوى إنتاجيتهم وقدرة الأردن على المنافسة؟.







