اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ملكاوي يكتب: هاشم غرايبة.. ما لا تقوله السيرة

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


فيما كانت مؤسسة عبد الحميد شومان تحتفي بالأديب هاشم غرايبة الأسبوع الماضي، كنت أجلس وذاكرتي تأخذني في شريط صور امتد لأكثر من ثلاثة عقود، هي عمر معرفتي بالرجل.
 

الكتابة عن هاشم صعبة، ولا تكون بالطريقة نفسها التي نكتب بها عادة عن الأدباء. كلما حاولت أن أضع مسافة بيننا لكي أراه كاتبا وروائيا، تتدخل الذاكرة، ويظهر هاشم الذي أعرفه. تظهر ضحكته وحديثه الدافئ، والسخرية الخفيفة التي تتسرب من جمله لتجعل أكثر الموضوعات جدية قابلة لأن ترى من زاوية أخرى. تظهر وجوه أصدقاء كثيرين، بعضهم غاب، وأمكنة لم تعد كما كانت، وزمن كامل بات بعيدا جدا.
عرفت هاشم في بدايات التسعينيات حين كنت أصغر سنا وتجربة، وكان هو قد عبر مسافات طويلة وقاسية من حياته، بعضها كان كافيا لجعله أكثر غضبا وقسوة، أو أقل ثقة بالعالم. لكن شيئا من ذلك لم يحدث.
أحيانا، أنظر في وجهه محاولا قراءة ما فعلته سنوات السجن به.
أبحث عن آثارها في صمته، وفي الهدوء الذي يحمله رجل عرف أن للأفكار ثمنا. لكنه كان قليل الكلام عن السجن، ولم يحوله إلى بطولة شخصية. نعرف أنه من السهل تحويل الألم إلى امتياز أخلاقي يستعلي به الإنسان، ويحمّل الآخرين «جميلة» بسببه. لكن هاشم لم يفعل ذلك، فقد حمل تجربته بهدوء من يحمل آثار جرح قديم في جسده، ولم يكن مضطرا للكشف عنه في كل مجلس ليثبت أنه تألم ذات يوم.
سافرنا معا إلى بغداد في نهاية التسعينيات للمشاركة في مهرجان المربد. أستعيد تلك الرحلة اليوم فلا أتذكر المهرجان بقدر ما أتذكر ليالي بغداد في فندق «المنصور ميليا»، وغرفة فخري قعوار التي كانت تجمعنا مع كتاب أردنيين وعرب. وأتذكر الدكتور سعد الصالحي، العميد في الجيش العراقي الذي كان يقول إنه طبيب أسنان صدام حسين. كان يحمل عوده معه ليعزف ويغني دائما، بينما كنت أريد منه أن يتوقف حتى نستطيع أن نتحدث.
قال لي الصالحي بنبرة استعلائية ذات ليلة: ماذا تريد أكثر من أن يقوم عميد بالعزف والغناء لكم؟
فأجبته فورا: حتى لو كان اللواء محمد عبد الوهاب، فنحن لن نستمع!
ظل هاشم إلى اليوم يذكرني بالعبارة التي رأى فيها جرأة كبيرة. أما أنا فكنت أراها من طرائف السفر. 
وأستعيد مقهى عمون، أيضا، واجتماعاتنا مع فخري قعوار ومؤنس الرزاز وسعود قبيلات ويوسف ضمرة ويحيى القيسي وجعفر العقيلي وآخرين. ذلك الزمن الذي كانت فيه الصداقة تختلط بالسياسة والأدب والانتخابات، وبالنقاشات التي تبدأ من موضوع ولا تنتهي أبدا.
بتأثير منه، انضممت إلى تيار القدس، فزادت مساحة العلاقات، وعرفت كيف تخرج الثقافة من الكتب إلى الحياة، وكيف تصطدم الأفكار بالعلاقات والمواقف والاختلافات. وكان هاشم، الشيوعي العتيق، ممن تعلمت منهم من دون أن يتقمص هيئة المعلم. 
كان ديمقراطيا حقيقيا من دون دروس نظرية، وإنما بسلوكه اليومي. كان قادرا على أن يكون شديد الإيمان بفكرته، وأن يترك لك، في الوقت نفسه، الحق الكامل في ألا تؤمن بها.
وثمة تلك المساحة التي يمنحها للشباب. كثيرون حين يتقدمون في العمر والتجربة، يبدأون، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، بحماية مواقعهم من القادمين الجدد. لكن هاشم كان يفسح مكانا للآخرين.
أنظر اليوم إلى رحلته، وأفكر في المسافة الهائلة بين الشاب الذي دفع من حريته ثمنا لما آمن به، وبين الرجل الذي واصل بعد ذلك الكتابة والحياة والصداقة والضحك. أفكر في القوة الداخلية التي يحتاجها الإنسان لكي يخرج من تجربة قاسية من دون أن يحمل سجنها معه إلى بقية عمره.
مرت سنوات كثيرة منذ التقينا للمرة الأولى. تغيرنا جميعا، وغاب أصدقاء كانوا يجلسون معنا حول الطاولة نفسها. لكنني كلما التقيت هاشم أو فكرت فيه أشعر أن شيئا من تلك الأيام يعود، فأنا لا أراه من خلال كتبه تاريخه فحسب، فقد جمعتني به سنوات وحكايات وتفاصيل لا تدخل عادة في السير الذاتية. 
وبعد كل هذه السنوات، لا أعرف إن كنت قلت له يوما بوضوح ما أكتبه الآن، بأنني أشعر بالامتنان لأن الحياة، في محطاتها الجميلة، جعلت طريقينا يمران معا.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية