اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

منصور يكتب: القرار في واشنطن والأثر في جميع العواصم

{title}
أخبار الأردن -

 

د.عاصم منصور


بينما تسعى الحكومة الأميركية إلى إنهاء واقع طالما دفع فيه الأميركيون أعلى أسعار للدواء في العالم، تحذّر أبحاث نشرت مؤخرا من أن القرار الذي اتخذته الإدارة الأميركية بربط ما سوف تدفعه بأدنى الأسعار المعتمدة في الدول المتقدمة قد يعيد رسم خريطة تسعير الدواء عالمياً، ولن يقتصر أثره على الولايات المتحدة وحدها. تقوم فكرة سياسة ‏»الدولة الأولى بالرعاية» على مواءمة ما يدفعه برنامج ‏»ميديكير»‏ الحكومي للأدوية مع أسعارها في مجموعة من الدول مرتفعة الدخل، بعد تعديلها وفقا للقوة الشرائية لكل دولة. وهذا المنطق قد يبدو عادلا وبديهيا في ظاهره، إذ لا يعقل أن يدفع المريض الأميركي أضعاف ما يدفعه نظيره الأوروبي للدواء نفسه؟ غير أن دراسة نمذجة نُشرت في مجلة ‏»لانسِت»‏ مؤخرا تكشف أن تبعات هذه السياسة أعقد بكثير مما قد تبدو عليه.
 

فحين يصبح سعر الدواء في كوريا الجنوبية أو النرويج أو أستراليا مرجعاً معياريا يتحكم بسعر الدواء في أكبر سوق دوائية في العالم، فسوف تتغيّر حسابات شركات الأدوبة بصورة جذرية. فقد وجد الباحثون أنه بالنسبة لنحو ثلاثة أرباع الأدوية التي قاموا بدراستها، فإن ما ستخسره الشركة من إيرادات في السوق الأميركية جرّاء خفض السعر في الدولة المرجعية يفوق إجمالي مبيعاتها السنوية في تلك الدولة أصلاً، والنتيجة المنطقية أن يشكل ذلك حافزا قويا لدى الشركات لرفع الأسعار في تلك الأسواق، أو تأجيل إطلاق الدواء فيها، أو حتى حجبه عن الرصد بأساليب تعاقدية.
وهنا سوف يقع المرضى في مرمى التأثير، فتأخير إطلاق الدواء أشهراً أو سنوات، أو الضغط على الدول لرفع الأسعار في أنظمة صحية تعمل بميزانيات مقيّدة، يعني عمليا وصولا أبطأ إلى علاجات السرطان والأمراض النادرة وسائر الأدوية الحديثة.
لكن الأثر لن يتوقف عند حدود الدول الغنية، فآليات التسعير المرجعي متشابكة عالمياً، فكثيرٌ من الدول متوسطة ومنخفضة الدخل تربط أسعارها بأسعار أسواق أخرى، على مبدأ أن السعر المنخفض المعلن في مكان ما يخدم المرضى في كل مكان. وإذا ما بدأت الشركات بإخفاء الأسعار المنخفضة أو تأخير الإطلاق في الأسواق الأصغر حماية لإيراداتها الأميركية، فإن الدول الأقل قدرة على التفاوض ستكون الأشد تضرراً. وقد نشهد اتساعاً في الفجوة بين من يقدر على تحمل كلفة الابتكار الدوائي ومن لا يقدر، فجوة تدفع ثمنها منطقتنا العربية وأفريقيا وأميركا اللاتينية قبل غيرها.
وكما ذهب تقرير مجلة «لانست» فإن قرارات تتخذ في الولايات المتحدة قد تمس إتاحة الدواء في العالم أجمع، وعلى صناع السياسات في الدول المتضررة وضع الخطط البديلة لضمان عدم تأخر وصول الأدوية المهمة نتيجة لهذه السياسة الجديدة.على أن الصورة لا تبدو محسومة بصورة نهائية حتى اللحظة فالباحثون يشددون على أن نتائجهم تقديرية ومبنية على نماذج، ولا تتنبأ بما ستفعله الشركات فعلياً. كما أن اتفاقات سرّية بين الشركات الكبرى والإدارة الأميركية قد تفرغ السياسة من جزء كبير من أثرها المتوقع ومن فوائدها المفترضة معاً.
يبقى الدرس الأوضح أن سوق الدواء منظومة واحدة مترابطة؛ فما يسن لخفض الكلفة في عاصمة واحدة قد يترجم حرمانا للمرضى من حقهم بالعلاج، فالمطلوب أن يقاس أثر هذه السياسات لا على دافعي الضرائب في بلد واحد فحسب، بل على جميع دول العالم فإذا ما أمطرت في واشنطن فعلى العالم أن يتحسس مظلاته وإلا فمصيره البلل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية