المنسي يكتب: في قلب عمّان.. حين يفتح المكان ذاكرته
جهاد المنسي
في وسط البلد لا تحتاج إلى خريطة كي تعرف أنك وصلت إلى عمّان التي نعرفها في الذاكرة، يكفي أن تقترب من كشك الطليعة، ذلك المكان الصغير الذي يقف مقابل مقهى السنترال لتشعر أن المدينة هنا لا تزال تحتفظ بشيء من شكلها الأول.
هناك، عند الكشك، يمكن أن تسأل صاحبه سامي أبو حسين عن عمّان، ولن تحتاج إلى كتاب تاريخ، يكفي أن تتركه يستعيد أسماء الأمكنة والناس والوجوه والحكايات، فبعض الذين عاشوا طويلاً في وسط البلد باتوا من حيث لا يقصدون، جزءاً من أرشيف المدينة، يعرفون من كان هنا، ومن رحل، وما الذي تغير، وما الذي بقي.
وفي الجهة المقابلة، يبدو مقهى السنترال أكثر من مقهى، هو أحد تلك الأمكنة التي لا تقاس قيمتها بعدد الطاولات أو فناجين القهوة، وإنما بعدد السنوات التي مرت من أمامه، وبمحاذاة السنترال يأتي متحف (آرمات عمان) وبما تحمله الكلمة من رائحة المكان القديم وصورته، تصبح المنطقة كلها كأنها صفحة مفتوحة من دفتر عمّان.
لكن الأجمل أن هذا المكان لا يكتفي بأن يروي ذاكرته من خلال الناس؛ هناك من حاول أن ينقذ أجزاء هذه الذاكرة من الضياع، هنا يأتي دور غازي خطاب ومتحف (آرمات عمّان)، خطاب لم ينظر إلى الآرمة القديمة باعتبارها قطعة انتهت وظيفتها بمجرد إزالة المحل أو تغيير واجهته، رأى فيها شيئاً أبعد: رأى اسماً عاش، ومهنة ازدهرت، وعائلة بنت رزقها، وشارعاً تغير، ومدينة كانت تكبر أمام عيون أهلها، فجمع ما استطاع من هذه الآرمات، وحوّل المكان إلى ما يشبه خزينة لذاكرة عمّان منذ أربعينيات القرن الماضي.
حين تدخل المتحف، يتغير إحساسك بالمكان، في الخارج أنت في وسط البلد: أصوات السيارات، الباعة، المارة، حركة السوق، رائحة القهوة، وازدحام الناس، أما في الداخل، فأنت تدخل إلى زمن آخر، لا يعود الشارع هو الشارع، ولا الاسم مجرد اسم.
كل آرمة هناك تقول شيئاً، واحدة تتحدث عن محل كان هنا، وأخرى عن طبيب عالج أجيالاً من الناس، وثالثة عن خياط أو تاجر أو مكتبة أو فندق، وأخرى تحمل اسماً ربما لم يعد أحد يتذكره إلا أبناء ذلك المكان.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: ماذا يعني أن تحفظ مدينة ذاكرتها؟ ربما لا يعني ذلك أن نحتفظ بالحجارة فقط، أو أن نضع الأشياء القديمة خلف الزجاج ونقول إننا أنقذنا التاريخ، الذاكرة أعمق من ذلك، الذاكرة هي أن نعرف أن المدينة التي نراها اليوم لم تظهر فجأة، وأن كل شارع فيها كان ذات يوم فكرة، وكل محل كان حلماً، وكل اسم على آرمة كان وراءه إنسان.
ولهذا فإن متحف آرمات عمّان ليس متحفاً للآرمات بالمعنى الضيق، إنه متحف للناس، متحف لأولئك الذين لم يتركوا وراءهم تماثيل ولا كتباً ولا شوارع تحمل أسماءهم، لكنهم تركوا آرمة صغيرة تقول: كنت هنا، لكن غازي خطاب التقط هذه القطع قبل أن يبتلعها النسيان، وهنا تكمن قيمة ما فعله.
لقد فهم أن المدينة لا يحفظها المؤرخون وحدهم، يحفظها أيضاً الخطاط، وصاحب الدكان، وصاحب الكشك، والعامل، والقهوجي، والباعة، وأولئك الذين عاشوا تفاصيلها اليومية ولم يكونوا يعرفون أنهم يصنعون تاريخاً.
ولذلك فإن الوقوف أمام كشك الطليعة، والحديث مع سامي أبو حسين، والنظر إلى مقهى السنترال، ثم الدخول إلى متحف آرمات عمّان، ليس انتقالاً بين أماكن مختلفة،
إنه انتقال داخل الزمن نفسه، في الخارج ترى عمّان التي ما تزال تمشي، وفي الداخل ترى عمّان التي توقفت في لحظة ما كي لا تختفي، وهذه ربما هي العلاقة الأجمل بين المكان والإنسان: أن المكان يحتفظ بنا أكثر مما نحتفظ به.







