سبايلة يكتب: الأردن أولا.. الأمن يبدأ من الداخل
د.عامر سبايلة
لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة بمضيق هرمز أو الملف النووي، بل أصبحت تمتد لمعادلات الأمن الإقليمي، وتوازنات القوة، واستقرار الدول وقدرتها على إدارة تداعيات الضغوط الخارجية. ومع انتقال جانب من الأزمة للداخل الإيراني، وتزايد المخاطر المرتبطة بأمن الملاحة بالخليج والبحر الأحمر، تدخل المنطقة مرحلة تتطلب إعادة قراءة مفهوم الأمن الوطني، ليس باعتباره قدرة على مواجهة الأزمات فحسب، بل باعتباره قدرة على بناء الاستقرار من الداخل.
بالنسبة للأردن، تكتسب التحولات أهمية خاصة. فعلى مدى عقود، أثبت قدرة استثنائية على التعامل مع واحدة من أكثر البيئات الإقليمية تعقيداً، وحافظ على أمنه واستقراره، ورسّخ موقعه الإستراتيجي، واستمر بأداء دور مهم في الأمن والدبلوماسية الإقليمية.
لكن طبيعة التحدي تتغير اليوم. فالأردن سيواصل التعامل مع الضغوط القادمة من محيطه، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات المتتالية للاستثمار بمقومات المستقبل الوطني.
هذا لا يعني الاختيار بين الأردن والإقليم، بل وضع المصلحة الوطنية الأردنية بقلب طريقة التعامل مع الاثنين.
تبقى العلاقات الإستراتيجية أحد مصادر قوة الأردن. فالشراكة مع الولايات المتحدة، والدور الأردني بالأمن الإقليمي، وقدرة المملكة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، كلها تمنح الأردن مساحة إستراتيجية مهمة. وينطبق الأمر نفسه على علاقاته مع دول الجوار، فالقدرة على الحفاظ على التواصل وتجنب الانخراط في الاستقطابات الإقليمية تصبح قيمة إستراتيجية بحد ذاتها.
لكن الدبلوماسية والأمن لا يمكن أن يكونا وحدهما أساس القدرة الوطنية على الصمود، فالمرحلة المقبلة تحتاج لمشروع وطني أكثر وضوحاً، يجعل من بناء الداخل امتداداً طبيعياً لحماية المصالح الأردنية بالخارج.
الركيزة الأولى للمشروع هي الهوية الوطنية. يحتاج الأردن لتعزيز الهوية الوطنية التي تمنح المواطن الثقة ببلده، وتربطه بمستقبله، وتوفر بديلاً عن الهويات التي تنتجها صراعات المنطقة والمشاريع الأيديولوجية العابرة للحدود. فالهوية الوطنية ليست مشروعاً للإقصاء، بل مساحة للانتماء والمشاركة وتكافؤ الفرص.
من هنا تصبح الثقافة استثماراً إستراتيجياً، فالاستثمار بالتعليم والإبداع والحياة الفكرية ليس ترفاً في أوقات الأزمات، بل جزء من بناء مجتمع قادر على مواجهة الاستقطاب والتطرف. يحتاج المواطن لمساحة للتفكير والإبداع، وللإيمان بأن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل بلده.
أما الركيزة الثانية فهي التنمية الاقتصادية والجغرافية.
يحتاج الأردن لمواصلة جذب الاستثمارات، مع توسيع دائرة التنمية خارج نطاق التركّز التقليدي للنشاط الاقتصادي. فالإمكانات الجغرافية والاقتصادية للمملكة، خصوصاً على امتداد المسار من عمّان نحو الجنوب والعقبة، تتيح فرصاً واسعة أمام مشاريع اقتصادية وسياحية وثقافية جديدة.
التنمية الحقيقية هي التي تخلق فرصاً يستطيع فيها الشباب الأردني أن يعمل وينتج ويؤسس لمستقبله، ويشعر بأن نجاحه مرتبط بمجتمعه وبلده.
وهنا تتحول التنمية من أولوية اقتصادية إلى ركيزة أساسية للأمن الوطني. فكلما تعززت فرص العمل والانتماء والثقة بالمستقبل، ازدادت قدرة المجتمع على الصمود أمام تداعيات الأزمات ومحاولات استغلالها.
لن تختفي الأزمات الإقليمية قريباً. وستبقى التطورات في سوريا، والمواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وأمن الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، عوامل مؤثرة في البيئة الاستراتيجية للأردن.
ولهذا يحتاج الأردن إلى العمل وفق مسارين متوازيين: إدارة مهنية للأزمات في الخارج، ومشروع وطني طويل الأمد في الداخل.
فالهدف لا ينبغي أن يكون فقط تجاوز الأزمة الإقليمية المقبلة، بل بناء أردن أكثر قوة وقدرة على الصمود، بغض النظر عن المدة التي ستستغرقها أزمات المنطقة.
وهذا هو معنى أن يكون الأردن أولاً، وأن يكون الأولوية والغاية: الاستثمار في الإنسان الأردني، وفي الثقافة والمدن والاقتصاد والإمكانات الوطنية، وتعزيز الهوية الوطنية مع الحفاظ على الانفتاح، ومنح الشباب سبباً للإيمان بالمستقبل وفرصة حقيقية للمشاركة في بنائه.
لقد أظهر الأردن قدرته على الصمود في أصعب الظروف، لكن الخطوة الاستراتيجية المقبلة هي تحويل هذا الصمود إلى تنمية مستدامة، وتحويل حالة عدم اليقين الإقليمي إلى فرصة لبناء مشروع وطني أكثر قوة ورسوخاً وثقة بالمستقبل.







