اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: المشروع والممكن في خطاب القوة

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


في كلمتيهما أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قال ترامب ونتنياهو الكثير من الأكاذيب التي ملّ منها العالَم. ويشتبه المرء بما إذا كان الرجلان يعرفان أنها أكاذيب أم أنهما بلغا من الغطرسة مبلغًا جعلهما يريان الباطل حقًا ويتبعانه بإيمان إلهي. لكنهما أرادا إيصال «حقيقة» تستمد صوابيتها من تَحقُّقها في الواقع: أن مفهوم الشرعية تغيّر في النظام الدولي العامل الآن. ذات مرة كانت القوة تحتاج إلى الشرعية لتبرير نفسها. والآن أصبحت القوة قائمة بذاتها وداعمة لذاتها بذاتها، ولا تحتاج إلى أكثر من وجودها لتكون مشروعة.
 

جاء ترامب إلى الأمم المتحدة ليعلن أن أميركا الآن «أقوى من أي وقت مضى»، وربط هذه القوة بنتائج فعل القوة: الآخرون يتحدثون وأميركا تفعل؛ ويتحدثون عن السلام بينما ترامب هو الذي يصنعه. وعندما تستخدم أميركا البطش العسكري، فإنه يكون أداة مشروعة لحماية مصالح أميركا- حتى لو كانت القوة غير متناسبة. ومع أنه يتحدث في مكان يُفترض أنه صُنع أساسًا لمنع الحرب والإبادة وتقييد القوة العشوائية والمعاقبة عليها، سرد ترامب كيف يستخدم بلده القوة للإكراه في فنزويلا وكوبا، وهدد علنًا بترك إيران تتعفن أو بإبادتها ومحو حضارتها إذا لم تُبرم اتفاقًا بشروط بلده –بالقوة.
وبعد ترامب، جاء نتنياهو ليعلن نسخة كيانه الاستعماري من المنطق نفسه: إن كيانه يضرب لأنه يستطيع أن يضرب. وتشكل قدرته على ضرب «أعداء الحضارة» الهمجيين– إيران أو «حماس» أو «حزب الله» وأي جهة محتملة لمعارضة مشروعه في المنطقة كلها- الدليل القائم بذاته على ضرورة– وصوابية- الفعل. ولذلك كان قراره مهاجمة إيران، كما قال، «أسهل» القرارات التي اتخذها على الإطلاق، وكانت قدرة كيانه على الفعل هي الحجة السياسية المكتفية بذاتها.
في خطاب الرجلين، تغيّرت القوة من وسيلة لتحقيق غاية سياسية لتكون المرادف الدلالي للحقيقة والشرعية. إذا امتلكت واشنطن القدرة على فعل شيء فإنها تمتلك الحق في فعله. وإذا امتلك الكيان الاستعماري القدرة على فعل شيء، فإن ما يستطيع فرضه بالقوة يكون تعريفه لما يجب. وعندما تبلغ القوة هذا المستوى من التجرُّد، فإنها لا تعود في حاجة إلى حجة من خارجها، ويكفيها حجة أن تكون موجودة وممكنة الاستخدام.
يُفترَض أساسًا، وفق التصور المُشاع عن العقيدة العالمية، أن تكون الشرعية التي تملك الأمم المتحدة التفويض بمنحها قيدًا على القوة؛ أن تحدد للكيانات ما يجوز لها فعله وما لا ينبغي لها فعله -حتى لو امتلكت القدرة على فعله. لكنّ عقيدة أميركا والكيان– التي تستشهد بالممارسة- هي أن موازين القوة هي التي تقرر حدود القانون. ولا تتعلق المسألة بمشروعية الفعل، وإنما بامتلاك القدرة على الفعل- أو على الأقل جعله مُستثنى ومعصومًا– بالقوة- من إمكانية التعرض للمساءلة والعقاب.
وباعتبار «المحكمة الجنائية الدولية» أوضح أداة أممية متبقية للمساءلة والعقاب، كان من المحتم أن تكون هدفًا لترامب وربيبه الصهيوني. إنها، بحسب ترامب، كيان «شرير» و»خارج عن القانون» وقمين بالنبذ والتفكيك. ويشكل حضور نتنياهو في «الجمعية العامة»، صاحبة السلطة على شرعنة المساءلة والعقاب، وهو مطلوب للمحكمة نفسها طريقته للتعبير عن ازدرائه لها والتظاهر باعتباره لها غير موجودة–حتى بينما يهرب في الحقيقة من «مجنون» ما ربما يعتقله بموجب أمر المحكمة.
وإذن، يفترض الدولي أن تتساوى الدول في الحقوق والواجبات. لكنّ المساءلة تصطدم لدى الاقتراب من دولة قوية بميزان القوة الذي يقرر إمكانية تطبيق القاعدة من عدمها. وبذلك، تبقى القاعدة حاضرة وبصحة جيدة رسميًا، لكن المساواة في تطبيقها مريضة جدًا وجسدها يتآكل.
وإذن، أميركا تستطيع، ولذلك تقرر، وتعتدي وتحارب وقد تُبيد. والكيان يستطيع، ولذلك يوسع ساحات الجبهات ولا يترك أحدًا في مأمن. وفي الطريق تضيق المسافة بين المشروع والممكن. وتتحدد المسارات بقدرة القوة على إنتاج القبول وبيع الأمر الواقع الذي تنتجه على أنه الحق.
مع ذلك، ربما يكون في انسحاب عدد وافر من الوفود من قاعة «الجمعية العامة» لدى تحدث نتنياهو ما يبشر بشروع عمليّ لاحق في رفض منطق مساواة القوة بالشرعية واعتبار الأقوى صاحب الحق بعد التعبير عن رفضه نظريًا. وربما يذهب هذا التحرك ذات يوم لتخرج معظم وفود الأمم لدى تحدث رئيس أميركا، صاحبة القوة الغاشمة التي تتجنى على تعريف «الشرعية» و»الحق» وربطهما بالممكن والمتاح. ففي نهاية المطاف، يمثل نتنياهو النسخة، والفرع الذي لا قيمة نظرية ولا عملية له من دون الحبل السري الذي يمده بالحياة من الأصل. ومن المؤكد أن المنسحبين استمدوا الشجاعة من المجموع واستأنسوا بدفئه– أو خجل بعضهم من البقاء وبذلك إعلان الموافقة على مضامين خطاب مجرم مطلوب للعدالة الدولية– حتى مع أنه ليس من الصعب تخمينهم وتقدير أنهم شكروا نتنياهو حقًا على جرائمه!
سوف تكون صلاحية فكرة «القوة هي الشرعية والأقوى يملك الحق» مرهونة بقدرة القوة على إبقاء الآخرين بلا قدرة على مقاومتها ومحاسبتها. وستفقد هذه الفكرة صلاحيتها بالعمل وليس بالقول: عندما تخجل الدول المستضعفة من ادعاء «التحالف» مع نفس القوة التي تستضعفها وتضمن أن يظل ذلك ممكنًا. وعندما يصمت الذين يشرعنون الاستيلاء عليهم لمجرد أن هذا الاستيلاء ممكن، وواقع متحقق.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية