القهيوي يكتب: موقف الملك ودور الأردن.. خطوط الأمن حين تقال من منبر العالم
ليث القهيوي
لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مجرد خطاب جديد عن حرب قديمة، ولا محاولة أخرى لإبقاء القضية الفلسطينية على جدول أعمال العالم. كان الخطاب، في جوهره، إعادة تعريف لموقع الأردن في مشهد إقليمي تتغير فيه الوقائع بسرعة، وتتداخل فيه الجغرافيا بالأمن والمياه والسياسة، بحيث لم يعد ممكنًا النظر إلى ما يجري حول المملكة باعتباره ملفات منفصلة لا يجمعها رابط.
من هذه الزاوية، كانت الفكرة الأكثر أهمية في الخطاب أن الانتباه نفسه أصبح موردًا جيوسياسيًا. فما يختار المجتمع الدولي أن يراه، وما يقرر أن يبقيه في دائرة اهتمامه، يمكن أن يحدد ما إذا كانت الأزمات ستجد طريقها إلى الحل، أم ستتحول تدريجيًا إلى وقائع دائمة. وقد جعل جلالة الملك من هذه الفكرة مدخلًا لفهم عالم تتزاحم فيه الأزمات إلى درجة أصبح معها الحفاظ على الاهتمام بالقضايا العادلة جزءًا من معركة السياسة نفسها.
لكن الانتباه، في القراءة الإستراتيجية، ليس مجرد حضور إعلامي أو سياسي. إنه مساحة تتحرك فيها الدول والقضايا قبل أن تتحول الوقائع إلى أمر واقع. فحين يبقى موضوع ما حاضرًا في دوائر القرار، تظل أمامه فرص للتفاوض والمعالجة وإعادة التوجيه؛ وحين يفقد هذا الحضور، تصبح الوقائع الميدانية أكثر قدرة على فرض نفسها، ويصبح تغييرها أكثر كلفة وتعقيدًا.
ومن هنا يمكن فهم لماذا لم يتعامل الخطاب مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا إنسانيًا أو سياسيًا منفصلًا عن الأمن الإقليمي. فالأردن لا ينظر إلى فلسطين من موقع جغرافي قريب فحسب، ولا إلى القدس باعتبارها قضية دينية وتاريخية فقط؛ فالقدس ترتبط بالوصاية الهاشمية، والضفة الغربية ترتبط مباشرة بالجغرافيا الأردنية، وأي تغيير عميق في الواقع السياسي أو الديمغرافي هناك يمكن أن ينتج تداعيات تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية.
ولهذا جاء الموقف الأردني واضحًا في رفض تحويل التهجير أو إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي إلى نتيجة مقبولة للأزمة، وفي التمسك بحل الدولتين، ودعم صمود الفلسطينيين، ودعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، والحفاظ على الوصاية الهاشمية والوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
لكن خطاب نيويورك وسّع دائرة القراءة إلى ما هو أبعد من فلسطين.
حين انتقل جلالة الملك إلى الحديث عن سورية، أصبح الأمن الأردني حاضرًا بصورة أكثر مباشرة؛ فالحدود الشمالية والأمن المائي لم يعودا موضوعين منفصلين عن التطورات الإقليمية، بل جزءًا من تعريف الأمن الوطني نفسه. وفي خطاب الملك كانت الرسالة واضحة: أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن الوطني الأردني، والأردن لن ينظر بعيدًا عن ذلك.
وتتضح دلالة هذا الموقف حين يُقرأ الأمن الأردني ضمن شبكة المصالح التي تحيط به. فالأردن لا يستطيع أن يتعامل مع أمنه بمنطق الحدود السياسية وحدها؛ لأن الأمن في هذه المنطقة يتشكل أيضًا من حركة السكان، والمياه، والطاقة، والتجارة، والتهريب، والاستقرار السياسي في دول الجوار، ومسارات الصراع التي يمكن أن تنتقل آثارها من دولة إلى أخرى.
لذلك فإن حماية الأمن الوطني تبدأ أحيانًا قبل وصول الخطر إلى الحدود نفسها.
فأزمة في فلسطين يمكن أن تكون لها آثار على الأردن، والتوتر في سورية يمكن أن ينعكس على أمنه ومياهه، وأي اضطراب واسع في الإقليم يمكن أن يضغط على التجارة والاستثمار والطاقة وحركة الناس. وفي مثل هذه البيئة، لا تعود الدولة معنية فقط بإدارة نتائج الأزمات، بل بقراءة الاتجاهات التي يمكن أن تنتج تلك النتائج.
وهذا ما يجعل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة جزءًا من الحساب الإستراتيجي الأردني، لا باعتبارها شأنًا داخليًا إسرائيليًا يمكن فصله عن المنطقة، ولا باعتبار نتائجها أمرًا يمكن استباقه، وإنما باعتبارها محطة سياسية تستدعي قراءة ما قد تحمله المرحلة المقبلة من اتجاهات تجاه الضفة الغربية والقدس ومستقبل الصراع.
وقد حذّر جلالة الملك، مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، من خطورة تصعيد الصراع في الضفة الغربية وغزة بما قد يشعل المنطقة ويقوض جهود استعادة التهدئة. وهذه الإشارة لا تعني محاولة التنبؤ بمسار الانتخابات، وإنما تعكس إدراكًا أردنيًا بأن بعض الاستحقاقات السياسية الداخلية في دول المنطقة يمكن أن تنتج آثارًا تتجاوز حدودها.
وهنا يصبح السؤال الأردني الأهم ليس: من سيحكم إسرائيل؟
بل: ما الاتجاهات التي يمكن أن تنتقل من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى الوقائع على الأرض؟
ذلك أن الدول التي تنتظر اكتمال الأحداث كي تبدأ في التعامل معها تجد نفسها غالبًا أمام خيارات أقل. أما الدولة التي تقرأ الاتجاهات قبل اكتمالها، فتستطيع أن توسع مساحة الحركة، وأن تبني بدائلها، وأن تستخدم علاقاتها وشراكاتها قبل أن تتحول الاحتمالات إلى وقائع.
والأمر ذاته ينطبق على جنوب سورية. فجنوب سورية لا يبدو في الحساب الأردني ملفًا أمنيًا مؤقتًا يمكن فصله عن بقية المشهد. استمرار التغيرات الميدانية، وما يرتبط بها من قضايا حدودية ومصادر مياه ومخاطر أمنية، يفتح سؤالًا أكثر عمقًا: هل نحن أمام ترتيبات ميدانية عابرة، أم أمام واقع جديد قد يعيد تعريف معادلات الأمن والمياه في المنطقة؟
بالنسبة إلى الأردن، لا يمكن التعامل مع هذا السؤال بعد وقوع نتائجه؛ لأن الأمن المائي، مثل أمن الحدود، يبدأ من قراءة التحولات قبل أن تتحول إلى أمر واقع.
ولهذا لم يكن الربط الملكي بين جنوب سورية والأمن الوطني مجرد توصيف لحدث آني، بل إعلانًا عن أن بعض الملفات أصبحت جزءًا من المصالح الأردنية التي لا يمكن انتظار اكتمالها كي يبدأ التعامل معها. وهذا يكتسب أهمية خاصة في ظل تأكيد جلالة الملك أن ما يمس الحدود الشمالية أو الأمن المائي يمس الأمن الوطني مباشرة.
ومن هنا، فإن الدبلوماسية الأردنية لا يمكن قراءتها باعتبارها بديلًا عن القوة الوطنية، بل باعتبارها إحدى أدواتها.
الدولة التي تمتلك جيشًا وأجهزة أمنية وقدرة على حماية حدودها تحتاج في الوقت نفسه إلى دبلوماسية قادرة على منع الأزمات قبل وصولها إليها، وإلى شبكة علاقات تسمح لها بالتحدث مع أطراف متعددة، وإلى قدرة سياسية على شرح مصالحها وحدودها ومخاوفها في المكان الذي تُصنع فيه القرارات الدولية.
الأردن يريد أن يبقى دولة منفتحة على الحوار، لكن انفتاحه لا يعني أن مصالحه السيادية قابلة للتفاوض بلا حدود.
وقد عبّر جلالة الملك عن هذه المعادلة بوضوح حين أكد أن انحياز الأردن إلى الدبلوماسية لا ينبغي أن يُفسر على أنه ضعف أو أن يؤخذ كأمر مفروغ منه، مقدمًا المملكة باعتبارها دولة (مبدئية ومنفتحة وثابتة)، قادرة على التحدث مع الجميع والعمل مع كل من يسعى إلى السلام.
هذه ليست لغة مواجهة، لكنها أيضًا ليست لغة انتظار.
إنها لغة دولة تعرف أن الاعتدال يمكن أن يكون أداة قوة، وأن إبقاء قنوات الحوار مفتوحة لا يعني التخلي عن المصالح الأساسية.
ولهذا فإن استخدام منبر الأمم المتحدة يصبح أبعد من مجرد إيصال رسالة سياسية. المنبر الدولي هنا يتحول إلى أداة لإعادة تعريف ما يجب أن يبقى حاضرًا في الحسابات الدولية.
فحين يضع الأردن الأمن المائي والحدود الشمالية والتهجير والقدس وفلسطين ضمن إطار واحد، فهو لا يجمع ملفات مختلفة اعتباطًا، وإنما يشرح كيف تتصل هذه الملفات ببعضها من منظور دولة تقع في قلب الجغرافيا التي تتحرك فيها الأزمات.
والأهم أن الخطاب لم يضع الأردن في موقع الدولة التي تنتظر من العالم أن يحل مشكلاتها، بل في موقع الدولة التي تشرح بوضوح ما تعتبره مصالح أساسية، وما يمكن أن تسهم به، وما الذي تتوقعه من المجتمع الدولي.
وبذلك يتحدد الدور الأردني على قاعدة أكثر وضوحًا: الانفتاح على الجميع، مع وضوح كامل في المصالح التي لا تقبل التأجيل.
فالأردن لا يملك ترف الانعزال عن الإقليم، لكنه لا يحتاج أيضًا إلى أن يتحول إلى طرف في كل صراع. قوته الإستراتيجية تكمن في قدرته على الجمع بين حماية مصالحه، والحفاظ على قنوات الحوار، والعمل ضمن الشرعية الدولية، وبناء شراكات واسعة، ومنع الأزمات من التحول إلى وقائع يصعب احتواؤها.
وفي هذا السياق، يصبح مفهوم الانتباه الذي بدأ به خطاب الملك أكثر من فكرة بلاغية.
الدولة التي تنجح في توجيه الانتباه الدولي نحو القضايا التي تمس أمنها ومصالحها، وتقدمها ضمن إطار سياسي وقانوني واضح، توسع مساحة حركتها. أما القضايا التي تفقد الانتباه الدولي فتترك المجال للوقائع الميدانية كي تفرض نفسها قبل أن تتحول إلى موضوع تفاوض.
وهنا تكمن إحدى أهم معارك السياسة الخارجية في المرحلة المقبلة: ليس فقط أن يتحدث الأردن، وإنما أن يحافظ على استمرارية الاهتمام الدولي بالقضايا التي تمس أمنه ومصالحه، وأن يحول الموقف السياسي إلى تنسيق دولي وعربي مستمر، وإلى سياسات عملية في ملفات الحدود والمياه والقدس وفلسطين والاستقرار الإقليمي.
فالخطابات الدولية تنتهي بانتهاء التصفيق، لكن آثارها تبدأ عندما تتحول إلى سياسات.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لخطاب نيويورك لن يكون في عدد الدول التي استمعت إليه، بل في قدرة الدبلوماسية الأردنية على البناء عليه؛ توسيع مساحات التنسيق، وترجمة المخاوف المتعلقة بالمياه والحدود إلى أجندة دولية واضحة، والحفاظ على مركزية حل الدولتين، وتعزيز الدعم لصمود الفلسطينيين، وحماية الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات في القدس.
ذلك أن الأردن لا يستطيع تغيير الجغرافيا، لكنه يستطيع أن يجعل مصالحه الجغرافية والسياسية أكثر حضورًا في الحسابات الدولية.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الموقف الملكي.
فالأردن لا يطلب من العالم أن ينظر إليه بوصفه دولة تقع بجوار الأزمات، وإنما بوصفه دولة تعرف أن أمنها مرتبط بمسار الإقليم، وأن حماية مصالحها تبدأ من تسمية خطوطها بوضوح، ثم العمل سياسيًا ودبلوماسيًا لمنع تجاوزها.
لقد قال الملك من نيويورك إن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه، وفي الوقت نفسه أكد أن المملكة ستواصل الدبلوماسية، ودعم السلام، والعمل مع الجميع.
وبين هذين المسارين تتشكل معادلة أردنية واضحة: دبلوماسية مفتوحة، ومصالح محددة، وخطوط أمن لا تحتاج إلى ضجيج كي تكون واضحة.
فالقوة ليست دائمًا في رفع سقف الخطاب، كما أن الاعتدال ليس في خفض سقف المصالح.
القوة الحقيقية أن تعرف الدولة أين تتحدث، وماذا تقول، وما الذي تريد حمايته، وكيف تحول الموقف السياسي إلى قدرة على التأثير.
ومن نيويورك، قال الأردن للعالم شيئًا يتجاوز حدود الخطاب نفسه: يمكن للدولة أن تكون منفتحة على الجميع، ومتمسكة بالدبلوماسية، وحريصة على السلام، وفي الوقت ذاته واضحة تمامًا عندما يتعلق الأمر بأمنها وحدودها ومياهها ومصالح شعبها.
وهذه ليست لغة دولة تنظر إلى الخريطة من بعيد.
إنها لغة دولة تعرف أن الجغرافيا قد تضعها في قلب العاصفة، لكنها تستطيع بالدبلوماسية والوعي الإستراتيجي والقدرة الوطنية أن تمنع العاصفة من أن تعيد رسم حدود مصالحها.
المستقبل لا يُصنع بما يُفعل فقط، بل بما يُختار تجاهله. وموقف الملك جعل التجاهل بعد اليوم أكثر كلفة… على الأقل بالنسبة لمن يجلس على حدود الخريطة التي يُعاد رسمها.







