هاشم عقل يكتب: أزمة الديزل تشتعل عالمياً.. والأردن يدفع الثمن بصمت
هاشم عقل
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، سجلت أسعار الديزل مستويات قياسية في الأسواق العالمية خلال سبتمبر 2026، متجاوزة في كثير من الحالات الارتفاعات التي شهدتها أسعار النفط الخام نفسه.
وفي الوقت الذي يدفع فيه المستهلك الأمريكي أكثر من 6.50 دولار للجالون، والأوروبي أكثر من 2.2-2.6 يورو للتر، يظل السعر في الأردن ثابتاً عند 850 فلساً للتر ما يعادل 1.2 دولار علماً بأن معدلات السعر العالمي 1.58 دولار ، وذلك بفضل سياسة الدعم الحكومي التي تمتص جزءاً كبيراً من الصدمة.
جذور الأزمة العالمية
تعود الأزمة الحالية إلى مزيج معقد من العوامل العسكرية واللوجستية. فقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى تعطيل كبير في مصافي الخليج وتراجع صادرات الديزل منها إلى نحو ربع مستوياتها السابقة. وفي الوقت نفسه، أسفرت الهجمات الأوكرانية المتكررة على مصافي التكرير الروسية عن تمديد موسكو حظر معظم صادراتها من الديزل. النتيجة: نقص يقدر بنحو 1.6 مليون برميل يومياً في الإمدادات العالمية، وارتفاع هوامش التكرير إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت 100 دولار للبرميل في بعض الأسواق.
وأستطيع القول أن المشكلة لم تعد مرتبطة بسعر برميل النفط الخام وحده، بل بقدرة العالم على تحويله إلى منتجات مكررة جاهزة للاستخدام. فالمصافي تعمل بطاقات مرتفعة، والمخزونات منخفضة، والطرق البحرية مضطربة، مما يجعل الديزل – الوقود الأساسي للنقل الثقيل والزراعة والصناعة – الحلقة الأضعف في سلسلة الطاقة.
الواقع الأردني: تثبيت الأسعار وتكلفة الدعم
في الأردن، أبقت لجنة تسعير المشتقات النفطية سعر السولار عند 850 فلساً للتر خلال الأشهر الماضية، رغم أن الكلفة الفعلية للاستيراد تتجاوز 1.16 دينار للتر بحسب الاسعار العالمية هذا يعني أن الخزينة تتحمل فرقاً يتجاوز 300 فلس عن كل لتر واصبحت ضريبة الديزل والكاز صفر مع فارق التكلفة ، وذلك في إطار سياسة التدرج التي تتبعها الحكومة منذ اندلاع الأزمة الإقليمية.
واوى أن هذه السياسة نجحت حتى الآن في حماية المواطن والقطاعات الإنتاجية من صدمة مباشرة، لكنها تضع ضغطاً متزايداً على المالية العامة.
ولكن احذر من أن استمرار اختناقات التكرير والشحن قد يبقي الأسعار العالمية مرتفعة حتى بداية 2027، ما يستدعي استعداداً أردنياً أكثر شمولاً.
وتجدر الإشارة إلى أن مصفاة الزرقاء لا تغطي سوى نحو ربع الاستهلاك المحلي، ما يجعل المملكة تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، وبالتالي أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.
التأثيرات والتوصيات:
ينعكس ارتفاع كلفة الديزل عالمياً بشكل غير مباشر على أسعار النقل والسلع والخدمات في الأردن، حتى مع تثبيت السعر المحلي. فالمستوردون والناقلون يواجهون تكاليف أعلى في سلاسل التوريد الدولية، وهو ما ينتقل تدريجياً إلى المستهلك النهائي.
ولمواجهة هذه التحديات، اقترح مجموعة من الإجراءات:
• مواصلة الدعم الموجه بدقة لقطاعات النقل العام والزراعة والصناعات الأساسية.
• تعزيز المخزونات الاستراتيجية من المشتقات النفطية الجاهزة.
• تنويع مصادر الاستيراد وتقليل الاعتماد على مسار واحد.
• تسريع مشاريع كفاءة الطاقة والنقل العام والتحول التدريجي نحو بدائل أقل اعتماداً على الديزل.
• زيادة الطاقة التكريرية المحلية أو الدخول في شراكات إقليمية طويلة الأمد.
في النهاية، تبقى أزمة الديزل اختباراً لقدرة الاقتصادات على امتصاص الصدمات الخارجية.
وفي الأردن، نجحت سياسة التثبيت حتى الآن في تخفيف الأثر المباشر على المواطن، لكن استمرار التوترات العالمية يفرض الحاجة إلى حلول أعمق وأكثر استدامة. فالدعم ليس حلاً أبدياً، والتنويع والكفاءة هما الضمان الحقيقي للاستقرار على المدى الطويل.







