خطاطبة يكتب: أطفال في مرمى الخطر الرقمي.. من يحميهم؟
محمود خطاطبة
لم يعد الحديث عن مخاطر الإنترنت على الأطفال ترفا توعويا، ولا قضية يمكن تركها لاجتهاد الأسرة وقدرتها على مراقبة أبنائها؛ فالعالم الرقمي الذي دخل كل بيت تقريبا، وأصبح جزءا من تعليم الأطفال وتواصلهم وترفيههم، بات في الوقت نفسه مساحة مفتوحة أمام استغلال أو ابتزاز أو اعتداء جنسي أو حتى تنمر.
أحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» تكشف حجم المشكلة عالميا؛ إذ تعرض نحو 20 مليون طفل، أعمارهم ما بين 12 و17 عاما، في 21 دولة، لشكل من أشكال الاستغلال أو الإساءة الجنسية خلال عام واحد، أي قرابة طفل من كل خمسة.. كما تعرض أكثر من 15 مليون طفل لمحتوى جنسي غير مرغوب فيه، وطُلب من 9 ملايين منهم الدخول في محادثات جنسية أو إرسال صور، فيما جرى تداول صور جنسية لنحو 4 ملايين طفل دون موافقتهم.
تلك مقدمة ضرورية لمعرفة ما الذي يجب أن يشغلنا في الأردن، إذ ليس من المهم ماذا يحدث في العالم؟، بل هل يمكن أن يكون أطفالنا بمنأى عن هذه المخاطر؟.. الإجابة المنطقية تقول: لا.
الأردن مجتمع رقمي واسع الاتصال؛ وتشير بيانات العام 2025 إلى وجود 10.7 مليون مستخدم للإنترنت، وأكثر من 6.4 مليون هوية مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي.. ومع اتساع استخدام الأطفال والمراهقين للهواتف الذكية ومنصات التواصل والألعاب الإلكترونية، تتسع بالضرورة مساحة المخاطر التي يمكن أن يتعرضوا لها.
وينبع الخوف من أن المعتدي ليس بالضرورة شخصا مجهولا خلف شاشة؛ إذ يشير تقرير «يونيسف» إلى أن 57 بالمائة من الحالات التي شملتها الدراسة ارتبطت بأشخاص يعرفهم الطفل، بينما التقى 38 بالمائة من الأطفال بالمعتدي للمرة الأولى عبر الإنترنت.. كل ذلك يفرض علينا تغيير طريقة تفكيرنا؛ فالحماية لا تعني فقط تحذير الطفل من «الغريب»، وإنما تعليمه كيف يميز السلوك الخطر، وكيف يتصرف عندما يتحول الحوار العادي إلى طلب صور خاصة أو معلومات شخصية أو لقاءات سرية أو تهديد أو ابتزاز.
وفي الأردن، ليست هذه المخاوف افتراضية بالكامل.. فهناك دراسة وطنية للعنف ضد الأطفال، أشارت إلى تعرض 13.2 بالمئة من الأطفال، أعمارهم ما بين 8 و17 عاما، لشكل من أشكال العنف الإلكتروني خلال حياتهم، فيما أفاد 6.6 بالمائة من الأطفال مستخدمي الإنترنت بأنهم تلقوا محتوى جنسيا عبر حساباتهم الإلكترونية.
ويا ليت الأمر أو المشكلة تقف عند هذا الحد، ليأتي بعدها الذكاء الاصطناعي ويزيد المشهد تعقيدا؛ فالمحتوى الجنسي المفبرك أو الصور التي تُنتج بتقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحول صورة عادية لطفل إلى مادة للابتزاز أو التشهير، من دون أن يكون الطفل قد التقط أو أرسل أي صورة من الأصل.
منظمة «يونيسف» تقول إن الأردن كان من الدول التي شملتها دراسة حديثة حول استخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي ومخاطره، حيث أكدت الحاجة إلى تشريعات وحوكمة ومساءلة أقوى لمواجهة الاستغلال الجنسي المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
ذلك يعني أن الأردن بحاجة إلى تحويل حماية الأطفال رقميا إلى جزء ثابت من المناهج والبرامج المدرسية، بحيث يتعلم الطفل مبكرا الخصوصية الرقمية، وآليات الإبلاغ، وكيفية التعامل مع الابتزاز أو الاستدراج أو المحتوى الجنسي.
كما تقع على عاتق الأسرة مسؤولية كبرى، تعتمد على ضرورة توعية الأبناء بعيدا عن التخويف؛ بمعنى أن بناء علاقة ثقة تجعل الطفل قادرا على الحديث مع والديه عندما يتعرض للخطر، أهم من مصادرة الهاتف أو منعه من الإنترنت. بالإضافة إلى تعزيز سرعة الاستجابة الرسمية، وتسهيل الإبلاغ، وتوفير حماية نفسية وقانونية للطفل وأسرته.
وللموضوعية والأمانة المهنية، فإن الأردن بدأ بالفعل خطوات مهمة في هذا الاتجاه؛ إذ استكمل خطة عمل وطنية مكلفة لحماية الطفل للفترة 2026–2030، فضلا عن تدريب العشرات من أفراد الشرطة والأخصائيين الاجتماعيين والمعلمين على الاستجابة للمخاطر الرقمية.
صحيح بأن مواكبة التكنولوجيا وسرعتها وتطورها ضرورة في الوقت الحالي، لكن في الوقت نفسه يجب أن يكون هناك حماية تواكب هذا التطور؛ فأطفالنا لا تحتاج إلى إنترنت أقل، بل إنترنت أكثر أمانا، ولا يحتاجون إلى إغلاق العالم الرقمي أمامهم، بل وضع شبكة حماية حقيقية حولهم، بدءا من الأسرة فالمدرسة، وانتهاء بمؤسسات قادرة على التدخل وخلق الحلول.
في الختام، كلما تأخرنا في بناء منظومة لحماية أطفالنا من الخطر الرقمي، تركنا أطفالنا يواجهون بمفردهم عالما رقميا يتطور أسرع بكثير من قدرتهم على إدراك مخاطره.







