اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

كراجة يكتب: هب أنا قبلنا بعضنا..

{title}
أخبار الأردن -

 

سائد كراجة


وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً. من أكثر حروب العالم العربي دموية في العقود الأخيرة حروبٌ دارت بين أبناء البلد الواحد: في لبنان والجزائر والسودان والعراق وسورية واليمن وليبيا. للقوى الخارجية يدٌ في معظمها، لكنها استغلت انقسامات داخلية مزمنة، وفي بداية كل منها كانت هناك لحظة بدا فيها طريق آخر ممكناً: أن يُقبل المختلف شريكاً، وأن ينال نصيباً عادلاً من الأرض والوظيفة والثروة.
 

ثمة محطات استعمارية ما زالت آثارها فاعلة: وعد بلفور عام 1917، الذي منح المشروع الصهيوني دعماً بريطانياً رسمياً ثم كُرّس في الانتداب على فلسطين. والمستعمر لم يخترع الاختلافات دائماً، لكنه حوّل بعضها إلى قوانين ومؤسسات: منحت فرنسا معظم يهود الجزائر الجنسية وأبقت معظم المسلمين رعايا، ووسّعت العرف على حساب القضاء الشرعي في مناطق أمازيغية بالمغرب، وجنّدت الأقليات بكثافة في قواتها بسورية.
وفي السودان خلّف الحكم الاستعماري دولة اختل فيها توزيع التعليم والإدارة والموارد، فتهيأت الهيمنة لنخب شمالية. لكن بعد الاستقلال أصبحت مسؤولية استمرار الاختلالات محلية أيضاً: جعلت الجزائر العربية اللغة الرسمية الوحيدة لعقود، وفُرضت الشريعة على السودان كله، وهُجّر كرد وتركمان وآشوريون من كركوك.
طالب الكرد في العراق بالاعتراف بلغتهم وإدارة مناطقهم، فقوبلوا بالقوة حتى قُصفت حلبجة بالغاز السام عام 1988. أما المغرب والجزائر فاعترفا بالأمازيغية، ولو بعد حين، لغةً رسمية، مستجيبين بذلك لمطلب مركزي في قضية أشعلت احتجاجات دامية. وتنوّع الأعراق والثقافات في أي وطن مصدر غنى؛ فما الذي يضيرنا أن نحتفي بالكرد والأمازيغ؟ وهل من غنى أكبر من أن يبقوا مكرّمين في أوطانهم، شركاء لا ضيوفاً؟
لكن القبول وحده لا يكفي. لبنان وزّع المناصب على طوائفه، إلا أن اختلال العدالة جعل الطائفة باباً للوظيفة والانقسام مصلحةً للزعماء، فصار ذلك من وقود حرب دامت خمسة عشر عاماً. توقف سلاحها عام 1990 وبقي شيء من منطقها، حتى عُطّل عام 2019 تعيين ناجحين في امتحانات رسمية بسبب الجدل حول «التوازن» الطائفي. فالمحاصصة، قانونية كانت أم واقعية، سمٌّ في الدسم؛ وحين تكون العدالة شاملة، تصبح الكفاءة المعيار المقبول للجميع.
وغياب العدل يتكرر. عاش أهل جنوب السودان عقوداً من التهميش والحرب، ثم انفصل الجنوب عام 2011 بعد حربين أهليتين واستفتاء. وبقيت صعدة اليمنية مهمشة وضعيفة الخدمات، وشعر زيديون فيها أن مذهبهم يتراجع أمام تمدد مدارس سلفية، فنشأ «الشباب المؤمن» في مطلع التسعينيات، ومنه خرجت لاحقاً نواة الحركة الحوثية. وفي شرق ليبيا كان الشعور باختلال توزيع عوائد النفط أحد روافد الانقسام. الظلم في الثروة قد يشعل الحرب، والربح منها يطيلها؛ من ذهب دارفور إلى طرق التهريب وموانئ اليمن.
وأحياناً يدفع الخوف من الآخر إلى سياسات تصنع ما تخشاه. بعد 1948 تعرض يهود في بلدان عربية عدة لقيود وعداء، فغادر مئات الآلاف تحت ضغوط محلية ونشاط صهيوني وإسرائيلي منظم للهجرة، واستقر كثير منهم في إسرائيل. لكن العيش المشترك ممكن: بقي المسيحيون في الأردن مكوّناً أصيلاً وشريكاً في الدولة والمجتمع، وانخفض في عُمان تسييس الانتماء الإباضي. وبعد مصالحة السعودية وإيران في بكين عام 2023 انتقل البلدان من القطيعة إلى خفض التوتر. فما تؤججه السياسة تستطيع السياسة أن تخففه.
واليوم يعود استهداف الناس على الهوية بأشكال مختلفة. ففي الفاشر غرب السودان قُتل آلاف وسط انتهاكات ذات دوافع إثنية، وفي سورية بعد سقوط نظام الأسد قُتل مدنيون علويون في الساحل، ثم سقط مدنيون دروز وغيرهم في أحداث السويداء، في مرحلة لم يترسخ فيها بعد عقد وطني جامع. لا مستعمر هنا نحمّله المسؤولية وحده، ولا يجوز أن يصبح التاريخ ذريعة نعفي بها أنفسنا من مسؤولية الحاضر.
والثمن يتجاوز حدود كل بلد؛ فبحلول نهاية عام 2024، مثّل السودان وسورية أكبر حالتي نزوح قسري في العالم. وحين يستقوي كل طرف بالخارج على شريكه في الوطن، لا يعود الخارج حليفًا فحسب، بل يصبح صاحب نفوذ وقرار، وتُتخذ قرارات المنطقة، من غزة إلى البحر الأحمر، في غياب أهلها.
هبْ أنّنا قبلنا بعضنا بعضًا، وتقاسمنا الأرض والوظيفة والثروة بعدل، وحاسبنا من يغتني من الحرب، من قادة الميليشيات إلى مهرّبي الذهب والسلاح. لن تختفي خلافاتنا، ولا نريد أن نصبح متشابهين؛ نريد فقط أن تُحسم خلافاتنا في البرلمان والمحكمة، لا في الشارع وساحات القتال.
قد يبدو هذا طوباوياً، لكن الأوطان تبدأ بفكرة عما تريد أن تكونه. وطن يتسع لاختلاف أهله، أو ساحة يتقاسمها المتحاربون. والخيار، قبل كل شيء، بيد أهلها جنابك.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية