شبلي يكتب: إرجاء نزع سلاح الفصائل العراقية المسلحة
الدكتور سعد شاكر شبلي
أثار أرجاء نزع سلاح الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران من قبل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن الموعد النهائي المحدد من 30 سبتمبر/أيلول ليصبح في 30 يونيو/حزيران 2027، تحت مبررات وضع خطة تسليم مرحلية تبدأ بتهدئة مدتها 90 يوماً، تساؤلات عديدة في الأوساط الشعبية والقوى والمحلية داخل العراق، مع تفاوت في المواقف الدولية والإقليمية من هذا التأجيل، بين الرفض والمراقبة الحذرة والمباركة المشروطة، وقد توزعت تلك المواقف على النحو التالي:
أولاً: المواقف الدولية
1. الولايات المتحدة الأمريكية: تبدي واشنطن تحفظاً كبيراً ورفضاً أولياً لتأجيل المواعيد، حيث ترى إدارة الرئيس دونالد ترامب أن استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة يهدد استقرار المنطقة ويقوض سيادة العراق.
وخلال لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو برئيس الوزراء العراقي في نيويورك عشية انطلاق الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم (22 سبتمبر 2027)، تم التأكيد على ضرورة "تفكيك الميليشيات"، لكن واشنطن قبلت الجدول الزمني الجديد (يونيو 2027) كمهلة نهائية صارمة وربطتها بـتجميد فوري وشامل للهجمات ضد القوات الأمريكية كشرط أساسي.
2. روسيا والصين: تتبنى الدولتان موقفاً يدعم الحكومة المركزية في بغداد والسيادة العراقية، وتريان أن تنظيم السلاح هو "شأن داخلي عراقي". ولا تعارض موسكو وبكين المرونة الحكومية في تمديد المهلة، حيث تفضلان الحلول السياسية والدبلوماسية لتفادي تفجير الصدام المسلح، وبما يضمن عدم استفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالقرار الأمني داخل العراق مع انسحاب قوات التحالف.
3. فرنسا وبريطانيا: يدعم الطرفان الأوروبيان مبدأ حصر السلاح بيد الدولة وتقوية المؤسسات الرسمية. ومع ذلك، تنظر باريس ولندن إلى التأجيل بواقعية سياسية؛ حيث يريان أن الحل المرحلي والتفاوضي أفضل من الانزلاق إلى حرب أهلية أو مواجهة مسلحة مباشرة، شرط التزام الفصائل بوقف الأنشطة العسكرية التي تهدد خطوط الملاحة ومصالح الطاقة في المنطقة.
ثانياً: المواقف الإقليمية من سحب السلاح
1. موقف النظام الإيراني(مباركة وضغط مستمر) : تدعم إيران التأجيل وترفض نزع سلاح الفصائل بشكل مفاجئ. كونها تدعي أن هذه الفصائل أوراق قوة إقليمية استراتيجية، لذا فهي تضغط لتمتد المهلة حتى نهاية 2027، رابطةً أي خطوة لتسليم السلاح بالانسحاب الشامل والكامل للقوات الأجنبية من العراق.
2. موقف المملكة العربية السعودية( حذر ومطالبة بحصر السلاح: ) ترى السعودية أن بقاء السلاح بيد فصائل "ولائية" خارج إطار الدولة يشكل تهديداً دائماً للاستقرار الإقليمي والأمن الخليجي. ورغم عدم معارضتها المباشرة للحلول السياسية لتجنيب العراق الفوضى، إلا أنها تشدد على ضرورة أن ينتهي هذا المسار بدمج حقيقي وتجريد كامل لتلك الكيانات من استقلاليتها العسكرية.
3. موقف تركيا ( مراقبة مشروطة): تركز تركيا اهتمامها على أمن حدودها ومحاربة حزب العمال الكردستاني (PKK). ولا تمانع التأجيل ما دام يحافظ على استقرار الوضع في العراق، لكن الفصائل المسلحة اشترطت في المقابل أن يشمل مسار "السيادة الشاملة" انسحاب القوات التركية أيضاً من شمال العراق، مما يجعل الموقف التركي رهناً بعدم مساس هذا الاتفاق بعملياتها الأمنية.
4. الكيان الإسرائيلي : تنظر إسرائيل إلى قرار تأجيل نزع سلاح الفصائل العراقية الموالية لإيران، بـحذر أمني شديد ورفض مطلق للاعتراف بهذه المهلة زمنياً. فهي (إسرائيل)، لا تُغير هذه التفاهمات السياسية من الواقع الميداني الذي تعتبره تهديداً مباشراً.
ويمكن تلخيص الموقف الإسرائيلي عبر الأبعاد التالية:
أ. استمرار المراقبة الاستخباراتية اللصيقة: كشفت تقارير إسرائيلية علنية أن مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي يركز بشكل متزايد على أنشطة هذه الفصائل. وتراقب تل أبيب بدقة مستودعات الأسلحة ومراكز الثقل التابعة لها، خاصة القريبة من الحدود أو تلك التي تحتوي على صواريخ كروز ومسيرات قد تُستهدف بها الأجواء الإسرائيلية.
ب. التمسك بـما تطلق عليه "الحق في الرد الفوري: ترفض إسرائيل المقاربة السياسية للحكومة العراقية التي تمنح الفصائل "مهلة صمت وتهدئة". وقد أرسلت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية رسائل واضحة لبغداد مفادها أن أي هجوم أو تهديد ينطلق من الأراضي العراقية سيُقابل بـرد عسكري مباشر وفوري وقاسٍ، دون انتظار أي جداول زمنية حكومية (مثل مهلة يونيو 2027).
ج. رفض التهدئة المشروطة بالفصائل: بررت الفصائل العراقية تمسكها بالسلاح بوجود تهديدات عسكرية من واشنطن وتل أبيب. وترى إسرائيل في هذه الشروط محاولة إيرانية مكشوفة للحفاظ على "قواعد اشتباك متقدمة" داخل العراق لاستخدامها كورقة ضغط إقليمية، لا سيما في ظل التوترات المستمرة بين طهران وإدارة الرئيس دونالد ترامب.
د. التخوف من عمليات نقل وتخزين السلاح: تبدي الأوساط الأمنية الإسرائيلية قلقاً من المقترحات التفاوضية لتجميد السلاح الثقيل، أو إخفائه، أو نقل أجزاء منه إلى مستودعات تابعة للحشد الشعبي العراقي رسمياً أو حتى إعادة نقله مؤقتاً إلى إيران. وتعتبر إسرائيل أن هذا المسار يُعد "إعادة تدوير" لخطر الفصائل وليس تفكيكاً حقيقياً للبنية التحتية العسكرية التي تهدد أمنها.
باختصار، الموقف الإسرائيلي ميداني وعملياتي بالدرجة الأولى؛ لا يعترف بالتأجيل، ويربط تحركاته العسكرية حصراً بسلوك الفصائل على الأرض وليس بوعود الحكومة المركزية في بغداد.
ثالثا: مواقف القوى المحلية (هيئة الحشد الشعبي)
يتباين موقف قادة هيئة الحشد الشعبي والفصائل المنضوية تحتها من خطة رئيس الوزراء علي الزيدي لـ سحب السلاح والدمج الفردي؛ حيث ينقسم الموقف إلى تيار مهادن وممتثل اتخذ خطوات فعلية، وتيار راديكالي رافض يرى في "الدمج الفردي" محاولة لتذويب الفصائل وإنهاء نفوذها.
ويمكن تفصيل مواقف قادة الحشد والفصائل على النحو التالي:
1. الرفض الحازم لـ "الدمج الفردي" (التيار الراديكالي): يُبدي قادة الفصائل الأكثر ارتباطاً بطهران (مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء) رفضاً قاطعاً لآلية الدمج الفردي لعناصرهم داخل الأجهزة الأمنية أو حتى داخل الحشد، مستندين إلى:
أ. مخطط لتفكيك "المقاومة: يرى هؤلاء القادة أن شرط الحكومة بانضمام العناصر "بصفتهم أفراداً مستقلين" هو مشروع تدعمه واشنطن لتذويب الهوية العقائدية والسياسية للفصائل.
ب. بقاء القيادات والسيطرة: تؤكد أوساط قريبة منهم أن أي تسليم للسلاح أو دمج للعناصر لن يكون حقيقياً إذا لم يحتفظ قادة الفصائل أنفسهم بالسيطرة والقيادة المؤسسية على قواتهم.
ج. رهن السلاح بالوجود الأجنبي: تصر "تنسيقية المقاومة الإسلامية" على أن سلاحها "أمانة غير قابلة للتفاوض" طالما أن هناك خطراً يهدد العراق (في إشارة إلى الوجود العسكري الأمريكي والتركي، والتهديدات الإسرائيلية).
2. تيار الامتثال والمناورة السياسية (عصائب أهل الحق وبدر): على الجانب الآخر، تتبنى فصائل كبرى يتقدمها الشيخ قيس الخزعلي (زعيم عصائب أهل الحق) ومنظمة بدر موقفاً أكثر مرونة وميلاً للمناورة السياسيةيبدو واضحاً من خلال:
أ. تأييد تفكيك الهياكل المستقلة والدمج الكلي: أعلنت كل من (عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي) رسمياً بدء إجراءات فك ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي وحصر سلاحها بيد الدولة كخطوة لدعم بناء النظام الدستوري.
ب. بدء دمج الألوية: وفقاً لتفاهمات "الإطار التنسيقي" (المظلة السياسية الشيعية)، وافقت هذه الفصائل على بدء دمج عناصرها وألويتها داخل هيئة الحشد الشعبي رسمياً بدءاً من يناير/كانون الثاني 2027، على أن تُسلم أسلحتها الاستراتيجية للحكومة بين مارس ويونيو 2027.
ج. تغيير المصطلحات: يفضل قادة هذا التيار استخدام مصطلح "تنظيم السلاح تحت مظلة قانون الحشد الجديد" كبديل لمصطلح "نزع السلاح" أو "حصر السلاح"، مما يضمن بقاء النفوذ العسكري للفصيل ولكن تحت لافتة قانونية رسمية وممولة من موازنة الدولة العراقية.
3. موقف قيادة هيئة الحشد الشعبي (رئاسة الهيئة): تقف رئاسة هيئة الحشد الشعبي (المتمثلة بـ فالح الفياض) في موقع "المنفذ والموافق"، حيث:
أ. تسعى الهيئة إلى شرعنة وجودها القانوني بالكامل عبر دفع البرلمان لإقرار "قانون الحشد الشعبي الجديد" الذي يمنحها استقلالية إدارية وعسكرية كجهاز أمني رسمي موازٍ للجيش العراقي.
ب. ترحب الهيئة باستيعاب عناصر الفصائل المدمجة لزيادة مخصصاتها وتوسيع هيكليتها، لكنها تواجه تحدياً كبيراً من رئيس الوزراء علي الزيدي.
رابعا: الأسلحة الاستراتيجية التي يدور الخلاف حول تسليمها للحكومة في مارس 2027
تدور الخلافات الأساسية حول ترسانة الفصائل من الأسلحة النوعية والثقيلة التي نقلتها طهران إليها على مدار السنوات الماضية، حيث ترفض الفصائل الراديكالية التخلي عنها وتعتبرها صمام أمان لوجودها وعنصر الردع الأساسي لها.
وتتمثل الأسلحة الاستراتيجية التي يُشترط بدء تسليمها للحكومة في مارس/آذار 2027 فيما يلي:
. الطائرات المسيّرة (الدرونز) الهجومية والانتحارية: تُعد المسيرات الورقة الأكثر حساسية وخلافاً؛ كونها سهلة الإخفاء والتحريك، وتمتلك الفصائل طرازات متطورة مثل (شاهد 136، وأبابيل، وصماد). وترفض الفصائل تسليمها تحت ذريعة الحاجة إليها لمراقبة وحماية الحدود والدفاع عن السيادة.
. الصواريخ باليستية قصيرة المدى وصواريخ كروز: تمتلك الفصائل ترسانة من الصواريخ الدقيقة (مثل صواريخ كروز من طراز "القدس" وصواريخ باليستية مثل "فاتح" و"ذو الفقار" المطورة)، القادرة على ضرب أهداف إقليمية بعيدة. تصر الحكومة على ضرورة خضوع هذه الصواريخ لسلطة القيادة العسكرية الرسمية (صنف الصواريخ والمدفعية في الجيش)، بينما تسعى الفصائل للاحتفاظ بها في مستودعات سرية معزولة عن التفتيش الحكومي.
. منظومات الدفاع الجوي والتشويش الإلكتروني: أدخلت بعض الفصائل مؤخراً منظومات دفاع جوي محلية الصنع أو إيرانية المنشأ (مخصصة للتصدي للمسيرات والمروحيات)، إلى جانب معدات تشويش إلكتروني متطورة. وتطالب الفصائل برهن تسليم هذه المنظومات بحصول الجيش العراقي رسمياً على منظومات دفاع جوي عالمية متطورة (مثل إس-400 أو منظومات غربية موازية) قادرة على حماية الأجواء العراقية بالكامل.
. راجمات الصواريخ الثقيلة والمدفعية الموجهة: تمتلك الفصائل راجمات صواريخ من عيارات كبيرة (مثل فجر وفلق وكاتيوشا المطورة)، والنزاع هنا لا يدور حول تسليمها الفعلي فحسب، بل حول مواقع تخزينها؛ إذ تريد الحكومة نقلها إلى معسكرات تخزين نظامية تابعة لوزارة الدفاع، بينما ترغب الفصائل في "تجميدها" داخل مقراتها الحالية دون نقلها.
خامسا: نقطة الخلاف الجوهرية (التسليم الفعلي أم التنظيمي؟)
تضغط الولايات المتحدة الأمريكية لضمان أن يكون التسليم فعلياً وملموساً (أي نقل السلاح جغرافياً ومادياً لعهدة الجيش العراقي وإتلاف الفائض)، في حين تميل إيران والفصائل الرافضة إلى خيار "التنظيم وليس التسليم"؛ أي تزويد الحكومة ببيانات وإحداثيات هذه الأسلحة ومقراتها لتكون معلومة صورياً للدولة، مع بقاء السيطرة الميدانية والتشغيلية الفعلية عليها بيد قادة الفصائل أنفسهم.







