اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الحواتمة يكتب: الملك عبدالله في الأمم المتحدة... حين تتقدّم الحكمة على الضجيج

{title}
أخبار الأردن -

 

 

م. وجدي محمد كريم الحواتمة

في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث كما تتسابق الأمواج في بحرٍ هائج، وتتشابك فيه الأزمات حتى يكاد المرء يعجز عن التمييز بين العابر والمصيري، جاءت كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لتؤكد أن الحكمة ما زالت قادرةً على فرض حضورها، وأن صوت العدالة يبقى مسموعاً مهما ارتفع ضجيج المصالح والصراعات.

لم تكن الكلمة مجرد خطابٍ دبلوماسي تقليدي، بل رسالة دولةٍ حملت هموم المنطقة وآمال شعوبها إلى منبر العالم. فقد أعاد جلالة الملك التذكير بحقائق يعرفها الجميع، لكن كثيرين يفضلون تجاهلها؛ فالأزمات لا تختفي بإهمالها، والعدالة لا تسقط بالتقادم، والسلام لا يولد من إدارة الصراع وتأجيل الحلول، بل من مواجهة جذوره ومعالجة أسبابه.

وفي قلب الخطاب بقيت القضية الفلسطينية حاضرةً بوصفها قضية حقٍ وعدالةٍ وإنسانية. فالأردن، بقيادته الهاشمية، لم يتعامل يوماً مع فلسطين بوصفها عنواناً سياسياً عابراً، بل باعتبارها قضيةً راسخةً في الوجدان الأردني والعربي، وبوصلةً أخلاقيةً ووطنيةً وقومية. ومن هنا جاءت الرسالة الأردنية واضحةً؛ فلا استقرار حقيقياً في المنطقة دون حلٍ عادلٍ يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، ويصون كرامته، ويعيد الأمل إلى الأجيال القادمة.

أما غزة، فقد حضرت في الخطاب كجرحٍ إنساني مفتوح، وكقضيةٍ تختبر صدقية المجتمع الدولي أمام مبادئه وقوانينه. فعندما تختلف قيمة الإنسان باختلاف جنسيته أو موقعه الجغرافي، وعندما يصبح القانون قوياً في مكانٍ وضعيفاً في مكانٍ آخر، فإن الخلل لا يكون في منطقةٍ بعينها، بل في منظومة العدالة الدولية ذاتها.

ولعل ما يميز الأردن عبر عقودٍ طويلة أنه اختار أن يكون جسراً للحوار لا ساحةً للصدام، ومنارةً للاعتدال لا وقوداً للتوتر. ولذلك استطاع، رغم محدودية الموارد وكثرة التحديات، أن يحجز لنفسه مكانةً يحترمها العالم. فالدبلوماسية الأردنية لم تبنِ حضورها على الضجيج، بل على المصداقية، ولم تعتمد على الشعارات، بل على ثبات الموقف ووضوح الرؤية.

وبوصفي شاباً أردنياً، تابعت كلمة جلالة الملك بشعورٍ من الفخر والاعتزاز. لم نكن نستمع إلى خطابٍ سياسيٍ فحسب، بل كنا نرى صورة الأردن الذي نؤمن به؛ وطناً ثابتاً في مواقفه، حاضراً في المحافل الدولية، ومدافعاً عن الحق مهما تبدلت الظروف. لقد شعر كثير من الشباب الأردني أن كلمات جلالته تعكس جانباً من وجدانهم، وأنها تعبّر عن قيمٍ تربوا عليها؛ قيم العدالة والكرامة والإنسانية والانتماء.

لقد منحتنا الكلمة شعوراً بأن الأردن ما زال قادراً على أن يكون صوت العقل وسط الانفعالات، وصوت الحكمة وسط التوترات، وصوت الاعتدال وسط الاستقطاب الحاد. وفي زمنٍ أصبحت فيه المواقف السريعة أكثر انتشاراً من المواقف المتزنة، يواصل الأردن تقديم نموذجٍ مختلف؛ نموذج الدولة التي تفكر قبل أن تتحدث، وتتحرك قبل أن تشتكي، وتتمسك بمبادئها دون أن تفقد قدرتها على الحوار.

قد لا يكون الأردن الأكبر مساحةً أو الأكثر ثروةً، لكنه يملك ثروةً من نوعٍ آخر؛ ثروة الموقف، والحكمة، والقيادة التي تعرف كيف تجعل من الكلمة قوة، ومن الاعتدال نهجاً، ومن الثبات مصدراً للاحترام والتقدير.

وفي النهاية، لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة مجرد كلمةٍ عابرةٍ في سجل السياسة الدولية، بل كان رسالةً تقول إن العدالة ما زالت ممكنة، وإن الحكمة ما زالت ضرورة، وإن الأوطان لا تُقاس فقط بحجمها على الخريطة، بل بحجم حضورها في القضايا التي تمس الإنسان وكرامته ومستقبل المنطقة.

ففي زمنٍ يعلو فيه الضجيج، يبقى للأردن صوتٌ مختلف، ويبقى للهاشميين نهجٌ راسخ، ويبقى الملك عبدالله الثاني قائداً يحمل رسالة وطنٍ آمن بأن قوة الموقف أبقى من صخب اللحظة، وأن الحكمة قادرة على أن تصنع أثراً يتجاوز حدود المكان والزمان.

م. وجدي محمد كريم الحواتمة
كاتب وباحث في الشأن الوطني والتنمية المجتمعية

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية