الطويقات يكتب ....رسالة الملك وبوصلة الدولة
الكاتب الدكتور أجمل الطويقات
قال جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إنه يريد السلام، لكنه لا يقبل سلاما على حساب الحقوق، ويريد الاستقرار، لكنه لا يقبل استقرارا يقوم على الخوف أو فرض الأمر الواقع. وأكد، بوضوح لا يحتمل التأويل، أن أمن الأردن وحدوده ومياهه ومصالح شعبه خطوط لا يمكن التعامل معها باستخفاف.
ومن هنا تبدأ الحكاية التي ينبغي أن يقرأها الأردنيون قبل غيرهم.
فخطاب جلالة الملك جاء في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حمل فيها الأردن إلى أهم منابر العالم رؤيته لما يجري في فلسطين وسوريا، وما يرتبط بذلك من تداعيات على الأمن الإقليمي والأمن الوطني الأردني.
كانت الرسالة الملكية واضحة: إلى المجتمع الدولي بأن ما يجري في فلسطين لا يمكن أن يستمر بلا مساءلة أو أفق سياسي عادل، وإلى إسرائيل بأن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يقوم على التوسع وفرض الوقائع بالقوة، وإلى الأردنيين بأن ما يجري في فلسطين وسوريا ليس بعيدا عن أمن الأردن ومصالحه.
وهنا تكمن قوة الخطاب.
فالأردن يتمسك بالسلام والاستقرار، لكنه يربطهما بالحقوق والسيادة واحترام مصالح الدول. والاعتدال في السياسة الأردنية لا يعني غياب الحزم، كما أن الانفتاح على الآخرين لا يعني التفريط بالثوابت.
إنها قوة الدولة الهادئة؛ الدولة التي لا تحتاج إلى استعراض، لأنها تستند إلى وضوح الرؤية وثبات الموقف وصلابة الإرادة.
قراءة المشهد كما هو
ولعل قراءة الموقف الأردني لا تكتمل من دون فهم طبيعة البيئة الإقليمية التي يتحرك فيها الأردن. فالتجربة الطويلة للصراع العربي الإسرائيلي، وما رافقها من حروب واحتلالات وسياسات توسعية، تجعل من الصعب التعامل مع مفهوم السلام بمعزل عن موازين القوة والسلوك الفعلي على الأرض.
كما أن المنطقة العربية، على مدى عقود، ظلت تواجه تحدي الانقسام واستنزاف الطاقات في أزمات داخلية متلاحقة. وفي التحليل السياسي للصراع الإقليمي، كثيرا ما تطرح استراتيجية «فرق تسد» بوصفها أحد التفسيرات لكيفية استفادة القوى المتنافسة من الانقسامات العربية؛ غير أن مسؤولية الدول والمجتمعات العربية تبقى في تحصين جبهاتها الداخلية، وعدم السماح للخلافات بأن تتحول إلى ثغرات في أمنها القومي.
ومن هنا تكتسب الرسالة الأردنية أهميتها؛ فالقضايا العربية مترابطة، والأمن الوطني لا يعيش بمعزل عن محيطه. وفلسطين وسوريا، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتداخل المصالح، تظلان جزءا من المشهد الذي يتطلب قراءة عربية أكثر وعيا وترابطا.
إعادة البوصلة إلى فكر الدولة
الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الأردنيين من الخطاب الملكي هي ضرورة قراءة الأحداث بعين الدولة، لا بعين اللحظة العابرة.
فالدولة لا تنظر إلى الأحداث من خلال موقف منفرد أو خبر عابر؛ وإنما تقرأ الجغرافيا والحدود والمياه والتحولات الإقليمية وموازين القوى، وتضع في حسابها ما يمكن أن تتركه التطورات الراهنة على مستقبل الوطن.
ومن هنا، فإن إعادة البوصلة الشعبية إلى فكر الدولة تعني إدراك أن ما يقال من على منبر الأمم هو تعبير عن ثوابت ومصالح وطنية وعربية، ورسائل موجهة إلى المجتمع الدولي والعدو الإسرائيلي في آن واحد.
إن الاستجابة للتحذيرات يكون بالوعي والاستعداد والعمل المؤسسي؛ بتحويل القراءة المبكرة للمخاطر إلى سياسات وخطط وإجراءات تحمي المصالح الوطنية وتحصن قدرة الدولة على التعامل مع المتغيرات.
فالدول تحمي أمنها بالوعي المبكر، وقوة المؤسسات، وتماسك المجتمع، ووضوح الأولويات.
رسالة أردنية حاسمة
إن قوة الأردن في هذه المرحلة تقاس بقدرته على التعامل مع الخطر، وبقدرته على استباقه، وبناء وعي وطني يقرأ التحولات قبل أن تفرض نفسها على الواقع.
لقد تحدث الأردن من أعلى منابر العالم بصوت واضح، وحدد ما يراه مساسا بأمنه ومصالحه، وأكد أن السعي إلى السلام لا يعني التفريط بالحقوق أو السيادة.
وهنا تكمن الرسالة الأردنية التي حملها خطاب جلالة الملك:
نحن دولة سلام، لكننا نعرف أن السلام الحقيقي لا يقوم على حساب الحقوق. ونحن دولة اعتدال، لكن اعتدالنا يستند إلى قوة الموقف وصلابة الإرادة. نمد أيدينا للتعاون، لكن أمننا وحدودنا ومياهنا ومصالح شعبنا ليست موضعا للاستخفاف.
فالأردن لا يبحث عن مواجهة، ولا يتعامل مع التهديد باستخفاف. إنه دولة تعرف حدودها، وتدرك مصالحها، وتقرأ محيطها، وتملك من وضوح الرؤية ما يجعل رسالتها تصل دون حاجة إلى ضجيج.
أردن ثابت في موقفه، يقظ في أمنه، متمسك بثوابته، ومنفتح على السلام، لكنه يعرف تماما أين تقف حدوده، وأين تبدأ مسؤولية الدولة عن حماية وطنه وشعبه.







