عايش يكتب: عندما يكون التاريخ مجرما
حسني عايش
لعل جريمة التاريخ في فلسطين هي إحدى أكبر جرائمه، فقد أبقى فلسطين تحت الحكم العثماني لأكثر من أربعة قرون أصاب الناس خلالها سبات عميق، بينما كانت النهضة الأوروبية خلالها تنمو وتزدهر في سائر الميادين. ونتيجة لتلك الجريمة التاريخية حدثت الهوة أو الفرق الكبير بين اليهود الصهاينة في أوروبا الذين عايشوا هذه النهضة وشاركوا فيها، وبين الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، الخاضعة للحكم العثماني. إنها هوة أو فرق مقدارهما أربعمائة سنة ثقافية.
ومع أنه كان يجب على الفلسطينيين والعرب بعد ظهور الحركة الصهيونية وتوجهها لاغتصاب فلسطين، تضييق هذه الهوة بسرعة إلا أنها كما يبدو زادت عمقا واتساعا.
وإذا لم تصدق ما أدعي قارن بين الطرفين دولا دولا وشعوبا شعوبا وقرى قرى ومدنا مدنا وفردا فردا. إنك تجد الهوة واضحة في جميع الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلوم والآداب والفنون.
وهكذا صارت إسرائيل تبدو بعين الغريب أو البعيد وبخاصة في الغرب الذي لا يعرف سوى الواحة الوحيدة في الشرق الأوسط، أو الفيلا في غابة كما كان يروج يهود باراك، حبيبته العزيزة.
فما بالك إذا كانت الصهيونية تسيطر على الإعلام والتعليم والفكر في الغرب وبخاصة في أميركا القائمة على إنكار حق الشعب الفلسطيني في وطنه التاريخي فلسطين.
وما بالك إذا كانت إسرائيل لا تترك مرشحا للرئاسة أو للكونغرس في أميركا أو سياسيا أو مفكرا عليه العين فيها أو في أوروبا والعالم إلا ودعته لزيارة مجانية مسبقة لها، وحتى طلبة المدارس والجامعات: إنها تدعوهم لتدهشهم بتقدمها وتطورها وديمقراطيتها (العنصرية) وتقارن لهم ذلك بما في بلاد العرب الأعداء... إن كثيرا من هؤلاء يعودون إلى بلدانهم وقد تحولوا إلى صهاينة شديدي العداء لفلسطين والعرب.
لا يقوم العرب بمثل ذلك لأنه لا يوجد لديهم ما يدهشون الزائرين به، فهم يبدون بالمقارنة مع إسرائيل متخلفين أو إرهابيين يريدون القضاء على إسرائيل حسدا وغيرة، أو تكفيريا. هكذا تتشكل الصورة.
لقد ظنت النخبة العربية أنه بالحكم الاستبدادي/ الديكتاتوري يمكن تقليص الهوة فكانت الانقلابات العسكرية التي زادتها عمقا واتساعا. لكن كثيرا من ذلك أخذ يتغير الآن، وبخاصة إثر طوفان الأقصى وما قامت به إسرائيل ولا تزال من إبادة جماعية للشعب الفلسطيني وتدمير شامل لبنيانه وحضارته.
لقد فضح طوفان الأقصى على مرارته إسرائيل وجعلها تبدو عارية أمام الضمير الإنساني مما كانت تدعيه وتبرزه، وبخاصة أمام الشعوب الأوروبية والأميركية المستغفلة، التي لا تزال تتظاهر حتى اليوم ضدها. لقد جعلت إسرائيل بوحشيتها المنقطعة النظير في غزة والضفة، الشعب الفلسطيني يبدو شعبا صغيرا مستباحا على يد أكبر قوة غاشمة إسرائيلية أوروبية أميركية. لقد صار الناس هناك يتكلمون ويقيمون ويدينون ويتظاهرون ضدها.
على أنه يجب علي أن أنبه هنا المتأسرلين أن التقدم الإسرائيلي أو الديمقراطية الإسرائيلية أو جوائز نوبل اليهودية لا تعطي إسرائيل «المتطورة» أو غيرها الحق في اغتصاب وطن أو تشريد شعبه وإبادته وإن كان متخلفا بل وشديد التخلف. هل يعني ذلك عند هذه القلة تسليم الوطن لإسرائيل «المتفوقة»؟ هل يعني الترحيب بها وهي تغتصب الوطن وتبيد أهله وتشردهم؟ لا مانع عند جميع شعوب الأرض أن تكون كذلك على أن يغتصب وطنها أجنبي قوي أو متفوق عليها.
يوجب هذا التفكير الانبطاحي على من يرقصون للتقدم الإسرائيلي ويبررون وجود إسرائيل وما تقوم به من تقتيل وتدمير للشعب الفلسطيني، التنازل عن أوطانهم لها، لأن شعوبهم متخلفة بالمقارنة بها. إنهم بالحكمة بأثر رجعي يؤيدون الاستعمار الأوروبي ويدينون جميع ثورات التحرير ضده في أفريقيا وآسيا.







