الدعجة يكتب: الأردن وصناعة الاستقرار: دبلوماسية تحمي الدولة وتفتح أبواب السلام
حسن الدعجة
في منطقة تتداخل فيها الحروب مع أزمات السيادة وتعثر التسويات السياسية، تبرز أهمية الدول القادرة على جمع الأطراف حول مصالح مشتركة، وتحويل الحوار إلى خطوات تدعم الأمن والاستقرار. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التحرك الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني بوصفه مسعى متواصلًا لبناء بيئة إقليمية أكثر قدرة على احتواء الأزمات، من خلال حماية مؤسسات الدولة، وتوسيع الشراكات الدولية، وربط الأمن بالعدالة والتنمية. وتقدم التحركات الأردنية في باريس نموذجًا واضحًا لهذه المقاربة التي تجمع بين المبادرة السياسية والتعاون الدفاعي والمسؤولية العربية، وتوظف التنسيق مع فرنسا لتعزيز قدرات الأردن، ودعم استقرار لبنان، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وحماية القدس، وترسيخ فرص السلام المستدام.
وقد تجسد هذا التوجه في ترؤس جلالة الملك عبدالله الثاني، إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، جولة جديدة من "اجتماعات العقبة" بقصر الإنفاليد في باريس، يوم الخميس 17 أيلول 2026. وركزت الجولة على دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته لحماية أمن لبنان وسيادته وحصر السلاح بيد الدولة، مع بحث الاحتياجات العملياتية للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي وآليات الاستجابة الدولية لها. ويعكس هذا التحرك حرص الأردن على ترجمة مواقفه الداعمة للأشقاء إلى تنسيق دولي يستجيب لأولوياتهم الأمنية والمؤسسية. المصدر: وكالة الأنباء الأردنية.
وتحمل هذه الأولوية دلالة استراتيجية؛ فاستقرار لبنان يرتبط بقدرة مؤسساته الشرعية على ممارسة مسؤولياتها وحماية مواطنيه وأراضيه، وتعزيز الثقة بالدولة بوصفها المظلة الجامعة لجميع مكوناته. ومن هنا، يكتسب الموقف الأردني أهميته باعتباره دعمًا لسيادة لبنان وقراره الوطني، ولحق اللبنانيين في العيش بأمن بعيدًا عن صراعات النفوذ. كما تتيح مناقشة الاحتياجات الفعلية للجيش تحويل التضامن السياسي إلى برامج عملية لبناء القدرات والتدريب والإسناد، وفق الأولويات اللبنانية والتفاهمات مع الشركاء، بما يعزز استدامة الدعم وفاعليته.
وتكشف المشاركة الدولية الواسعة عن قيمة "اجتماعات العقبة" باعتبارها منصة للتنسيق وتبادل الخبرات منذ إطلاقها بمبادرة ملكية عام 2015. وتتمثل أهمية هذه الصيغة في جمع أصحاب القرار والخبراء حول تحديات محددة، وتقريب التقديرات السياسية من المتطلبات الميدانية. ويساعد تحديد الاحتياجات وتوزيع المسؤوليات على توجيه الموارد بكفاءة، وتقليص ازدواجية الجهود، وتأسيس متابعة تتيح قياس النتائج. وبذلك، تعكس المبادرة قدرة الدبلوماسية الأردنية على جمع الشركاء حول أولويات مشتركة تخدم الاستقرار الإقليمي.
وفي السياق نفسه، جاءت اتفاقية التعاون الدفاعي الأردنية الفرنسية لتمنح الشراكة القائمة إطارًا أشمل لتنظيم التعاون الأمني والعسكري وتطوير القدرات الدفاعية الأردنية. وأكد البيان المشترك ارتباط هذا التعاون بخفض التصعيد وتعزيز الاستقرار الإقليمي. ويمكن فهم الاتفاقية باعتبارها استثمارًا في قدرة الأردن على حماية سيادته ومواجهة التهديدات، وتعزيز شراكته مع قوة أوروبية مؤثرة. فامتلاك قدرات دفاعية كفؤة يدعم استقلال القرار الوطني، ويمنح الدبلوماسية الأردنية مساحة أوسع للتحرك بثقة، ومواصلة جهود التهدئة وبناء التوافقات. المصدر: البيان الأردني الفرنسي المشترك.
وتكتسب الشراكة مع فرنسا وزنًا إضافيًا بحكم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وحضورها الأوروبي والمتوسطي. ويتيح توسيع التنسيق معها للأردن تعزيز فرص حشد المساندة الدولية للقضايا العربية، وفتح قنوات تأثير إضافية في النقاشات المتعلقة بأمن المنطقة. كما يعكس تنويع الشراكات فهمًا لحاجة السياسة الخارجية إلى خيارات متعددة، مع الحفاظ على وضوح المصالح الوطنية وثبات المواقف تجاه القضايا الأساسية.
وفي مقدمة هذه القضايا تأتي فلسطين؛ إذ يظل أي تصور للاستقرار الإقليمي ناقصًا ما لم يعالج حقوق الشعب الفلسطيني وأسباب الصراع. وقد أكد البيان الأردني الفرنسي ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية، ورفض الضم والتهجير، وحماية الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات في القدس، مع تأكيد أهمية الوصاية الهاشمية. وهذه المواقف تضع التسوية السياسية وحماية الحقوق في صميم النقاش الأمني. المصدر: البيان المشترك.
وتنبع أهمية هذا الربط من أن الهدوء العسكري يظل هشًا عندما تستمر الظروف التي تنتج العنف واليأس. فحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ووقف الإجراءات التي تقوض فرص الدولة الفلسطينية، شروط ضرورية لبناء الثقة بأي مسار سياسي. وبالنسبة للأردن، تتصل هذه الأولويات مباشرة بأمنه الوطني ومسؤوليته تجاه القدس، وبإدراكه أن استمرار الصراع يترك آثارًا تتجاوز حدود فلسطين إلى المنطقة بأكملها.
ويمكن فهم الاهتمام الأردني بوحدة سوريا واستقرارها ضمن المنطق ذاته؛ فالدولة القادرة على إدارة شؤونها وحماية حدودها ورعاية جميع مواطنيها تشكل أساسًا لعلاقات جوار مستقرة. ويحتاج هذا المسار إلى تسويات تراعي التنوع المجتمعي، وتحمي السيادة، وتمنع تحول الأزمات المحلية إلى ساحات تنافس خارجي. لذلك، تبدو الدبلوماسية الوقائية ودعم التعافي المؤسسي استثمارًا في أمن الإقليم على المدى الطويل.
كما أن الاستقرار يحتاج إلى قاعدة اقتصادية واجتماعية تحميه. ومن هنا تأتي أهمية توسيع الشراكات نحو المياه والاستثمار والتكنولوجيا والتجارة. فالأمن المائي وفرص العمل وكفاءة الخدمات تعزز قدرة المجتمعات على الصمود، وتمنح المواطنين مصلحة مباشرة في استمرار السلام. وكلما ارتبط التعاون الدولي بمشروعات تلبي احتياجات الناس، ازدادت قدرته على إنتاج استقرار يشعرون بقيمته في حياتهم اليومية.
ويبقى نجاح هذه التحركات مرهونًا بمتابعة تنفيذية تحوّل التوافقات إلى التزامات واضحة وموارد وبرامج قابلة للتقييم. فدعم الجيش اللبناني يحتاج إلى استدامة، والتسوية الفلسطينية تحتاج إلى إرادة دولية، والشراكات الاقتصادية تحتاج إلى نتائج ملموسة. وهنا تتحدد قيمة الدور الأردني في مواصلة جمع الشركاء، وتقريب المواقف، والدفع نحو التنفيذ. إنها مسؤولية تتطلب نفسًا طويلًا، وتستند إلى رؤية ملكية تجعل حماية الدولة وكرامة الإنسان والتنمية أسسًا مترابطة لسلام أكثر رسوخًا.
*أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال







