اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القهيوي يكتب: الاستقرار الأردني.. من ميزة إلى قوة

{title}
أخبار الأردن -

 

ليث القهيوي


في منطقة تتغير فيها موازين القوة بسرعة، وتتداخل فيها الجغرافيا بالاقتصاد والتكنولوجيا والأمن والسياسة، لم يعد الاستقرار مجرد حالة داخلية تُقاس بغياب الاضطراب، بل أصبح أصلا إستراتيجيا يمكن للدول أن تبني عليه موقعها وقدرتها وتأثيرها. ومن هذه الزاوية، فإن الاستقرار الأردني ليس مجرد قيمة نحافظ عليها، وإنما رصيد وطني يمكن أن يتحول إلى قوة اقتصادية ومؤسسية وإقليمية إذا أحسنا توظيفه.
 

الأردن يمتلك واحدة من أهم المزايا التي تحتاجها الدول في بيئة إقليمية معقدة: القدرة على توفير مساحة مستقرة للعمل والتخطيط وبناء الشراكات. وهذه الميزة لا تتوقف قيمتها عند حدود الأمن والاستقرار الاجتماعي، بل تمتد إلى قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمار، وقدرة المؤسسات على التخطيط بعيد المدى، وقدرة الدولة على بناء علاقات متوازنة، وقدرة المجتمع على التعامل مع التحولات من دون أن يفقد تماسكه.
لكن القيمة الإستراتيجية لأي ميزة وطنية لا تُقاس بوجودها وحده، وإنما بما تنتجه.
وهنا تبدأ المسألة الأكثر أهمية: كيف يمكن للأردن أن يحول الاستقرار إلى قدرة؟
فالاستقرار الاقتصادي، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يكون مجرد بيئة مناسبة للنشاط الاقتصادي، بل قاعدة لإعادة تعريف نوعية الاقتصاد نفسه؛ اقتصاد أكثر إنتاجية، وأكثر تنوعا، وأكثر قدرة على الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية، وأكثر ارتباطا بالتكنولوجيا والمعرفة والابتكار. وهذا يعني أن الموقع الجغرافي للأردن لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره موقعا بين أقاليم وأسواق، وإنما باعتباره إمكانية لبناء أدوار اقتصادية تتجاوز فكرة العبور إلى فكرة إنتاج القيمة.
وفي عالم تتغير فيه طرق التجارة وسلاسل الإمداد ومصادر الطاقة والغذاء، تصبح القدرة على الربط بين الموقع والبنية التحتية واللوجستيات والطاقة والتكنولوجيا والمعرفة جزءا من مفهوم القوة الاقتصادية الجديدة. ومن هنا يمكن للأردن أن ينظر إلى موقعه باعتباره أصلا إستراتيجيا يحتاج إلى منظومة متكاملة من السياسات والاستثمارات والمهارات، حتى يتحول الموقع من ميزة جغرافية إلى ميزة تنافسية.
والأمر ذاته ينطبق على الدولة ومؤسساتها.
فالاستقرار يوفر للمؤسسات مساحة ثمينة للتخطيط، لكنه يصبح أكثر قيمة عندما يقترن بمؤسسات تتعلم باستمرار، وتستخدم البيانات، وتستشرف المستقبل، وتعيد تصميم أعمالها وفق المتغيرات، وتقيس أثر السياسات لا مجرد تنفيذها. وفي المرحلة المقبلة، لن تكون جودة الإدارة العامة مرتبطة فقط بقدرتها على المحافظة على ما هو قائم، وإنما بقدرتها على تحويل الموارد الوطنية إلى نتائج أكثر سرعة وفاعلية.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من إدارة اليوم إلى بناء قدرة الغد.
الدولة الحديثة لا تستطيع أن تعمل بعقلية رد الفعل في عالم يتحرك بعقلية الاستباق. فالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والاستشراف، وبناء السيناريوهات، وإدارة المخاطر، وإعادة هندسة الإجراءات، لم تعد أدوات تكميلية، بل أصبحت جزءا من القدرة المؤسسية على اتخاذ القرار. وكلما ارتفعت قدرة المؤسسات على قراءة التحولات قبل وصول آثارها، ازدادت قدرتها على توسيع هامش الخيارات الوطنية.
وهذا يقود إلى بعد آخر أكثر أهمية، هو رأس المال البشري.
فالأردن لا يمتلك فقط موقعا جغرافيا مهما أو شبكة من العلاقات الدولية، بل يمتلك مجتمعا شابا وقاعدة واسعة من الكفاءات والخبرات. والقوة المستقبلية لهذه الموارد لا تتحدد بعدد المتعلمين أو الخريجين، وإنما بقدرة الاقتصاد والمؤسسات على تحويل المعرفة إلى إنتاج وابتكار وريادة أعمال وحلول جديدة.
لذلك فإن الاستثمار في الإنسان لا ينبغي أن يُفهم باعتباره ملفا تعليميا منفصلا، وإنما باعتباره جزءا من إستراتيجية القوة الوطنية. فالاقتصاد الذي لا يستطيع استثمار كفاءاته يفقد جزءا من ميزته، والمؤسسات التي لا تستطيع تجديد قياداتها وقدراتها تفقد جزءا من قدرتها على الحركة، والدولة التي لا تمنح شبابها مساحة للمشاركة في إنتاج الأفكار والسياسات تفوت جزءا من رأس مالها الإستراتيجي.
ومن هنا تأتي أهمية مسار التحديث السياسي بوصفه أحد مكونات القوة، وليس مسارا منفصلا عن الاقتصاد والإدارة.
فالمجتمعات التي تنتج أفكارا وسياسات وقيادات جديدة تكون أكثر قدرة على التعامل مع المستقبل. والأحزاب السياسية، والمؤسسات المدنية، والجامعات، ومراكز الفكر، والمساحات العامة للحوار، يمكن أن تشكل منظومة لإنتاج الأفكار والبدائل والسياسات، بما يعزز قدرة الدولة والمجتمع على التعامل مع التحولات بعقل مؤسسي أكثر اتساعا.
أما على المستوى الإقليمي، فإن قيمة الأردن لا ترتبط بحجمه، وإنما بما يستطيع أن يقدمه في الملفات التي تحتاج إلى الثقة والخبرة والقدرة على الربط بين المصالح المختلفة.
وهنا يمكن إعادة قراءة الدور الأردني من مفهوم "الموقع" إلى مفهوم "الدور". فالدولة لا تصبح أكثر تأثيرا لأنها الأكبر مساحة أو سكانا، وإنما عندما تصبح ذات قيمة في الحسابات الإستراتيجية للآخرين. وكلما استطاع الأردن أن يراكم أدوارا نوعية في مجالات مثل التعليم والتدريب والخدمات واللوجستيات والطاقة والمياه والأمن الغذائي والتكنولوجيا والاستثمار والدبلوماسية، ازدادت قدرته على تحويل استقراره إلى تأثير.
كما أن الشراكات الدولية يمكن أن تصبح جزءا من هذه المعادلة. فالشراكة الإستراتيجية في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تُقاس فقط بحجم المساعدات أو عدد الاتفاقيات أو حجم التجارة، وإنما بقدرتها على إنتاج معرفة جديدة، ونقل التكنولوجيا، وفتح الأسواق، وبناء القدرات، وتطوير المهارات، وإدخال الاقتصاد الأردني في مساحات جديدة من القيمة العالمية.
وهذا هو الفارق بين دولة تستفيد من موقعها ودولة تصنع من موقعها قدرة.
الاستقرار، في النهاية، ليس نقطة وصول، وإنما نقطة انطلاق. وكلما ارتفعت قدرة الدولة على البناء فوق استقرارها، أصبح الاستقرار نفسه أكثر إنتاجا للقوة. فالأمن يفتح المجال للاقتصاد، والاقتصاد يخلق فرصا، والتعليم ينتج الكفاءات، والمؤسسات تحول الموارد إلى نتائج، والسياسة تنتج البدائل، والتكنولوجيا توسع القدرة على التنبؤ واتخاذ القرار، والشراكات تفتح مساحات جديدة للحركة.
وهكذا تتشكل القوة الوطنية باعتبارها منظومة مترابطة، لا مجموعة من المزايا المنفصلة.
الأردن لا يحتاج إلى أن يكون الأكبر حتى يكون أكثر تأثيرا، لكنه يحتاج إلى أن يكون أكثر قدرة على تحويل ما يملكه إلى قيمة إستراتيجية. فالموقع يحتاج إلى اقتصاد، والاستقرار يحتاج إلى إنتاج، والموارد البشرية تحتاج إلى بيئة تستثمر فيها، والمؤسسات تحتاج إلى قدرة على التعلم والتجدد، والعلاقات الدولية تحتاج إلى مصالح مشتركة قابلة للبناء والتوسع.
وهنا يمكن أن يصبح الاستقرار الأردني أكثر من ميزة؛ يمكن أن يصبح منصة لصناعة المستقبل.
إن السؤال الإستراتيجي في المرحلة المقبلة ليس فقط كيف نحافظ على ما تحقق، وإنما كيف نبني فوقه. وليس فقط كيف نحمي الاستقرار، وإنما كيف نحوله إلى قدرة اقتصادية ومؤسسية وبشرية وإقليمية أوسع.
فقوة الأردن المستقبلية لن تُقاس فقط بما يملكه من استقرار، بل بما يستطيع أن يصنعه بهذا الاستقرار.
وعندما يتحول الاستقرار إلى قدرة، والقدرة إلى خيارات، والخيارات إلى قيمة، والقيمة إلى تأثير، يصبح الاستقرار نفسه أحد أهم مصادر القوة الوطنية.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية