اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الأردن يستثمر اللحظة لإعادة بناء الدولة العربية... كيف ولم؟

{title}
أخبار الأردن -

 


•    نقل اجتماعات "مسار العقبة" إلى العاصمة الفرنسية باريس يعكس ثقة أردنية كبيرة بالدور الفرنسي

•    نقل الاجتماع - بطلب أردني -  إلى باريس يحمل دلالة سياسية واضحة

•    الفكرة الأساسية التي تحكم التحرك الأردني في المنطقة تتمثل في إعادة بناء الدولة ومركزية القرار السياسي والأمني داخل مؤسساتها الرسمية

•    الأردن أدرك مبكرًا خطورة تحول الدول إلى ساحات تتعدد فيها مراكز القوة والقرار

•    الأردن كان من أوائل الدول التي تحركت سياسيًا باتجاه دمشق بعد التغيرات الكبرى التي شهدتها الساحة السورية

•    الأردن تعامل مع الملف السوري من زاوية ضرورة وجود دولة مركزية قادرة على إدارة حدودها وأمنها ومؤسساتها

•    من يدرس السياسة الخارجية الأردنية يلاحظ وجود نزعة استشرافية واستدراكية تقوم على قراءة التطورات قبل اكتمالها، والتقاط الرسائل المبكرة، ثم البناء عليها سياسيًا.

•    الأردن ينظر إلى التطورات الإقليمية باعتبارها مترابطة، وأن أي انهيار في دولة عربية يمكن أن ينتقل أثره إلى دول الجوار عبر الحدود والأمن والاقتصاد والهجرة والطاقة والجماعات المسلحة.
•    المنطقة كانت على حافة فقدان المؤسسات التي قامت عليها الدول الحديثة


قال الكاتب والمحلل السياسي الدكتور منذر الحوارات إن نقل اجتماعات "مسار العقبة" إلى العاصمة الفرنسية باريس يعكس ثقة أردنية كبيرة بالدور الفرنسي، ويشير في الوقت ذاته إلى تطور المسار من منصة إقليمية لمكافحة الإرهاب إلى إطار سياسي وأمني أوسع لمناقشة أزمات المنطقة وبحث سبل استعادة مركزية الدولة ومؤسساتها.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن اجتماعات العقبة بدأت عام 2015 بوصفها منصة لمكافحة الإرهاب وحشد الدعم الدولي لهذا الجهد، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى منصة ذات طابع سياسي وأمني، تتميز بمرونة أكبر في مناقشة القضايا الإقليمية وطرحها على طاولة البحث بعيدًا عن الأطر البيروقراطية التقليدية.

وبيّن الحوارات أن نقل الاجتماع، بطلب أردني، إلى باريس يحمل دلالة سياسية واضحة، لافتًا إلى أن فرنسا دولة ذات ثقل دولي وأوروبي، وعضو دائم في مجلس الأمن وتمتلك حق النقض، بينما يمثل الأردن امتداده العربي والإقليمي، في حين تأتي المشاركة اللبنانية في ظل الحاجة إلى دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها، خصوصًا الجيش اللبناني.

الحوارات: الأردن يدفع باتجاه استعادة مركزية الدولة

ونوّه إلى أن الفكرة الأساسية التي تحكم التحرك الأردني في المنطقة تتمثل في إعادة بناء الدولة ومركزية القرار السياسي والأمني داخل مؤسساتها الرسمية، بعد سنوات شهدت، بحسب وصفه، تمددًا واسعًا للميليشيات على حساب مؤسسات الدولة في عدد من دول المنطقة.

وقال إن الأردن أدرك مبكرًا خطورة تحول الدول إلى ساحات تتعدد فيها مراكز القوة والقرار، بحيث يصبح التعامل الدولي والإقليمي مع ميليشيات وجماعات مسلحة بدلًا من التعامل مع حكومات ومؤسسات رسمية قادرة على فرض سلطتها على أراضيها.

وأشار إلى أن هذه الرؤية لا ترتبط بلبنان وحده، فهي تشمل سوريا، والعراق، واليمن، وغيرها من ساحات المنطقة، معتبرًا أن إضعاف الدولة المركزية يفتح المجال أمام قوى أخرى لملء الفراغ، ويجعل الحدود والسيادة والقرار السياسي عرضة للتجاذبات الإقليمية.

وأضاف أن الأردن تعامل مع هذا الخطر باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة، وليس مجرد تطور داخلي في الدول التي شهدت تراجعًا في قدرة مؤسساتها على فرض سيادتها.

لماذا الجيش اللبناني الآن؟

وتوقف الحوارات عند أهمية دعم الجيش اللبناني في المرحلة الحالية، معتبرًا أن الملف يرتبط بصورة مباشرة بالتحضيرات لمؤتمر المانحين المخصص لدعم لبنان، وبالحاجة إلى توفير مقومات تمكن الدولة اللبنانية من بسط سلطتها على أراضيها.

وأوضح أن مؤتمر المانحين تأجل أكثر من مرة في ظل الحرب والتعقيدات السياسية والأمنية، إضافة إلى وجود مخاوف لدى الجهات المانحة من أن تذهب الأموال المخصصة لدعم لبنان دون أن تكون هناك مؤسسات رسمية قادرة على توظيفها وتحويلها إلى نتائج ملموسة.

وأضاف أن أهمية الملف تتزايد مع قرب انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" بنهاية عام 2026، وفق الإطار الذي أشار إليه، ما يطرح سؤالًا أساسيًا حول الجهة التي ستملأ أي فراغ أمني محتمل.

وقال إن وجود فراغ من هذا النوع قد يفتح المجال أمام قوى أخرى لملئه، سواء إسرائيل أو جماعات وميليشيات مسلحة، وهو ما يجعل تعزيز قدرات الجيش اللبناني ضرورة تتجاوز البعد العسكري إلى حماية مركزية الدولة ومنع نشوء ترتيبات أمنية بديلة عنها.

"مظلة" قبل انتهاء مهمة اليونيفيل

وبيّن الحوارات أن دعم الجيش اللبناني في هذه المرحلة يهدف إلى توفير مظلة أمنية ومؤسسية تضمن الانتقال من مرحلة وجود اليونيفيل إلى مرحلة تتولى فيها المؤسسات اللبنانية الرسمية مسؤولياتها بصورة أكبر.

وأضاف أن الجيش اللبناني يحتاج إلى التمويل والتدريب والتجهيز حتى يكون قادرًا على الاضطلاع بدور أوسع، موضحًا أن أي انتقال ناجح لا بد أن يحول دون استغلال الفراغ من جانب إسرائيل أو الجماعات المسلحة.

وأشار الحوارات إلى أن تعزيز الجيش اللبناني يخدم كذلك هدفًا سياسيًا آخر يتمثل في إعادة القرار الأمني إلى الدولة، بما يهيئ الظروف أمام حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، ويزيل إحدى الذرائع التي يمكن أن تستخدم لتبرير استمرار التدخلات الخارجية.

وقال إن استعادة الدولة اللبنانية لمركزية قرارها تمثل، من هذه الزاوية، مصلحة لبنانية وعربية وإقليمية في آن واحد.

الأردن التقط مبكرًا خطورة الفراغ السوري

وربط الحوارات بين التحرك الأردني في لبنان والموقف الذي اتخذه الأردن تجاه سوريا، مشيرًا إلى أن الأردن كان من أوائل الدول التي تحركت سياسيًا باتجاه دمشق بعد التغيرات الكبرى التي شهدتها الساحة السورية.

وقال إن وزير الخارجية الأردني كان من أوائل المسؤولين العرب الذين زاروا سوريا، لأن عمّان، بحسب قراءته، أدركت مبكرًا أن استمرار الفراغ في سوريا سيكون "كارثيًا" على المنطقة بأكملها.

وأضاف أن الأردن تعامل مع الملف السوري من زاوية ضرورة وجود دولة مركزية قادرة على إدارة حدودها وأمنها ومؤسساتها، بدل استمرار حالة السيولة التي تسمح للجماعات المسلحة والقوى الخارجية بتوسيع نفوذها.

وأوضح أن هذه المقاربة تفسر، إلى حد كبير، اهتمام الأردن بمسألة بناء مؤسسات الدولة في الإقليم، سواء في سوريا أو لبنان، معتبرًا أن استقرار الدول لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة في ظل تعدد مراكز القرار.

الحوارات: السياسة الأردنية تقوم على "التقاط الرسائل مبكرًا"

وقال الحوارات إن من يدرس السياسة الخارجية الأردنية يلاحظ وجود نزعة استشرافية واستدراكية تقوم على قراءة التطورات قبل اكتمالها، والتقاط الرسائل المبكرة، ثم البناء عليها سياسيًا.

وأشار إلى أن هذا النهج ظهر في تعامل الأردن مع ملفات لبنان وسوريا وفلسطين والعراق وتهدئة المنطقة عمومًا، معتبرًا أن التحرك الأردني لا ينتظر دائمًا اكتمال الأزمات حتى يبدأ التعامل معها، وإنما يحاول التدخل في مراحل مبكرة لمنع تحولها إلى تهديدات أكبر.

وأضاف الحوارات أن الأردن ينظر إلى التطورات الإقليمية باعتبارها مترابطة، وأن أي انهيار في دولة عربية يمكن أن ينتقل أثره إلى دول الجوار عبر الحدود والأمن والاقتصاد والهجرة والطاقة والجماعات المسلحة.

ونبّه إلى أن هذه الرؤية هي التي دفعت الأردن إلى التحذير المبكر من مخاطر تمدد النفوذ الميليشياوي في المنطقة، وما يمكن أن يترتب عليه من إضعاف الدولة المركزية وتفكيك بنيتها.

"سايكس بيكو" كان يمكن أن يصبح أكثر تفككًا

وأوضح الحوارات أن المنطقة، خلال السنوات الماضية، كانت أمام خطر يتجاوز الحدود التقليدية للدول، إذ كان يمكن أن يؤدي ضعف المؤسسات المركزية إلى تحويل كل دولة إلى مجموعة من مناطق النفوذ التي تسيطر عليها قوى مختلفة.

وقال إن المنطقة كانت، بحسب تعبيره، على حافة فقدان المؤسسات التي قامت عليها الدول الحديثة، بحيث يصبح التعامل مع كل ميليشيا أو قوة محلية باعتبارها طرفًا مستقلًا في المعادلة.

وأضاف الحوارات أن استمرار هذا المسار كان يمكن أن يؤدي إلى واقع تصبح فيه كل دولة موزعة بين عدة مراكز قوة، بدل وجود حكومة مركزية واحدة يمكن التعامل معها إقليميًا ودوليًا.

ورأى أن مواجهة هذا المسار تتطلب إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها، باعتبارها الإطار الأساسي للحفاظ على الأمن والسيادة ومنع تحويل المنطقة إلى ساحات مفتوحة للتدخلات الخارجية.

الحوارات: إيران تعاملت مع دول عربية باعتبارها "ساحات"

وقال الحوارات إن إيران، بحسب قراءته، لم تتعامل خلال السنوات الماضية مع عدد من الدول العربية بوصفها دولًا شريكة أو أطرافًا متساوية، وإنما بوصفها "ساحات" يمكن من خلالها تحقيق أهداف جيوسياسية واستراتيجية.

وأضاف أن تمدد النفوذ الإيراني عبر جماعات مسلحة في عدد من العواصم العربية أدى إلى إضعاف الدولة المركزية، وخلق واقعًا تتعدد فيه مراكز القرار السياسي والأمني.

وأشار إلى أن هذا النهج ظهر، وفق تحليله، في لبنان والعراق وسوريا واليمن، معتبرًا أن المشكلة لم تعد مرتبطة بوجود نفوذ إقليمي فحسب، وإنما بتحول هذا النفوذ إلى بنى عسكرية وسياسية تعمل داخل دول عربية وتنافس مؤسساتها الرسمية.

وقال إن هذا الواقع وضع الأردن أمام تهديد مباشر، خصوصًا أن أي توسع للنفوذ الميليشياوي على امتداد المشرق العربي يمكن أن يقترب من الحدود الأردنية ويؤثر في أمن المملكة واستقرارها.

لماذا الأردن مهم في هذه المعادلة؟

وأوضح الحوارات أن الأردن لعب دورًا مهمًا في محاولة وقف تمدد هذا المشروع الإقليمي، معتبرًا أن الموقع الجغرافي والسياسي للمملكة جعلها نقطة فاصلة أمام مشاريع التوسع التي كانت تستهدف، بحسب وصفه، الوصول إلى الخليج العربي ومحاصرته من أكثر من اتجاه.

وأضاف أن موقف الأردن من هذه التطورات جعله، وفق قراءته، عرضة لضغوط وتهديدات، لكنه في الوقت ذاته منحه دورًا سياسيًا يتجاوز حجمه الجغرافي، باعتباره دولة عربية حافظت على مركزية مؤسساتها وعلى علاقاتها المتوازنة مع القوى الإقليمية والدولية.

وأشار  الحوارات إلى أن التحركات الأردنية الحالية تأتي ضمن محاولة لاستثمار اللحظة الإقليمية الراهنة، وإعادة بناء شبكة من الدول العربية القادرة على استعادة قرارها ومؤسساتها.

"اللحظة الحالية فرصة".. لكن البيت العربي ليس موحدًا

وقال الحوارات إن المنطقة تمر بمرحلة يمكن أن تشكل فرصة لإعادة ترتيب البيت العربي، لكن الاستفادة منها ليست سهلة، بسبب وجود تباينات عميقة بين الدول العربية في قراءة ملفات إيران وفلسطين والميليشيات وأمن الخليج والبحر الأحمر والمضائق والأزمة السورية.

وأضاف أن المشكلة لا تكمن في غياب الرغبة فقط، وإنما في اختلاف الأولويات والحسابات السياسية لكل دولة، ما يجعل الوصول إلى موقف عربي موحد أمرًا معقدًا.

وأوضح أن الخطوة الأولى يجب أن تبدأ من الداخل، عبر تعزيز مركزية القرار داخل كل دولة عربية، ثم الانتقال إلى بناء رؤية مشتركة تجاه مصادر التهديد الإقليمي.

وذكر أن الدول العربية بحاجة إلى تحديد واضح لأولوياتها في العلاقات الإقليمية والدولية، وعدم الاستمرار في حالة من «السيولة» السياسية تجاه أطراف تمارس، بحسب وصفه، ضغوطًا أو اعتداءات على دول عربية أخرى.

الحوارات: استمرار السيولة العربية قد يفقد المنطقة دولًا قوية

وحذّر الحوارات من أن استمرار التباين العربي في التعامل مع مصادر الخطر قد يؤدي إلى خسارة دول عربية أخرى، مستشهدًا بما وصفه بخسارة المشرق العربي لجزء كبير من قدرته على فرض قراره المركزي في سوريا ولبنان والعراق.

وقال إن المخاطر لا تتوقف عند المشرق، وإنما يمكن أن تمتد إلى الخليج العربي، معتبرًا أن أي اضطراب استراتيجي طويل الأمد في منطقة الخليج سيكون له أثر مباشر على العالم العربي بأكمله.

وأضاف أن دول الخليج لا تمثل فقط جغرافيا سياسية مهمة، ذلك أنها تشكل أيضًا رافعة اقتصادية للعالم العربي، إذ تستضيف ملايين العمال العرب، وتوفر أسواقًا واستثمارات وتحويلات مالية ترتبط بها اقتصادات عربية عديدة.

 

الأردن يدفع نحو رؤية عربية أكثر تماسكًا

وأشار الحوارات إلى أن الأردن من أكثر الدول العربية دعوة إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا وتماسكًا تجاه القضايا التي تهدد بنية الدولة العربية، معتبرًا أن المرحلة الحالية قد توفر فرصة لإعادة صياغة الرؤية العربية على أساس استعادة مركزية الدولة، وإنهاء حالة الفوضى، وبناء أطر مشتركة للتعامل مع التحديات الإقليمية.

وقال إن نقل اجتماع العقبة إلى باريس لا يقتصر على تغيير مكان الاجتماع، وإنما يعكس، في قراءته، تحولًا في طبيعة المسار نفسه من إطار إقليمي إلى مسار يحظى بمظلة دولية أوسع، ويجمع الأردن وفرنسا ولبنان حول هدف يرتبط بإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها.

وأشار إلى أن نجاح هذه المقاربة سيعتمد في النهاية على قدرة الدول العربية على التقاط اللحظة الحالية والاستفادة منها، بدل العودة إلى حالة التباين التي سمحت خلال السنوات الماضية بتمدد قوى خارجية وميليشيات على حساب مؤسسات الدولة.

وبيّن أن الفرصة المتاحة اليوم قد لا تبقى مفتوحة طويلًا، وأن إعادة بناء الدولة العربية المركزية، وتوحيد الرؤية تجاه التهديدات، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، تمثل مسارات أساسية لتجنب إعادة إنتاج الأزمات ذاتها في المستقبل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية