خيرالله يكتب: عقدة جزائرية أخرى اسمها النجاح الإماراتي
خيرالله خيرالله
قبل قطع النظام الجزائري العلاقات مع دولة الإمارات العربيّة المتحدة، كان يمكن الكلام عن عقدة واحدة وحيدة يعاني منها النظام وتتحكّم بتصرفاته. كانت تلك العقدة تحمل اسم المغرب. بات الآن يعاني من عقدة أخرى هي عقدة النجاح الإماراتي التي لا يفسّرها غير البحث عن تبرير لفشله المزمن في التعاطي مع هموم المواطن الجزائري.
لا تزال الحدود المغربيّة مغلقة منذ 1994 على الرغم من كلّ المبادرات التي صدرت عن الرباط من أجل حوار على أعلى المستويات بين البلدين بغية إعادة العلاقات إلى طبيعتها بينهما. يقتات النظام الجزائري من العداء للمغرب. كلّ ما في الأمر أن النظام الجزائري يخشى ذهاب مواطنيه إلى المغرب ورؤية الفارق بين دولة حديثة، لا تخفي ما تواجهه من تحديات على صعد عدّة، ربطت نفسها بكلّ ما هو حضاري في هذا العالم... ودولة منغلقة على نفسها. يظلّ السؤال كيف طور المغرب نفسه، وصار جسرا لا يمكن تجاهله بين أوروبا وإفريقيا، على الرغم من عدم امتلاكه ثروات طبيعيّة مثل الجزائر؟
بعد اتخاذه الخطوة ذات الطابع العدائي تجاه الإمارات، بات في الإمكان الكلام عن عقدة جزائرية أخرى يعاني منها النظام، هي عقدة النجاح. لا يستطيع النظام الجزائري الذي يعتقد أنّه يستطيع لعب أدوار تفوق حجم البلد التخلي عن وهم الدولة الإقليمية المهيمنة ذات الإمتدادات الإفريقية. تعجز الجزائر عن فهم أن الإمارات لم تمنعها يوما من ممارسة هيمنتها في أي دولة إفريقيّة. تعجز عن استيعاب أنّ مشكلة الجزائر تكمن في العجز عن تطوير نفسها.
عمليا، سقط النظام الجزائري في فخّ نصبه لنفسه بعدما اعتبر الهرب إلى خارج حدوده وتصدير ازماته الداخليّة إليه يعفيانه من معالجة مشكلته الأساسية. تكمن تلك المشكلة في رفض الجزائريين للنظام القائم منذ استقلّ البلد في العام 1962. سعى النظام، منذ ذلك التاريخ، إلى الدخول في لعبة المزايدات على كلّ صعيد، بدءا بالمتاجرة بالقضيّة الفلسطينية. فعل ذلك كلّه كونه لم يكن قادرا يوما على بناء دولة حديثة تسعى إلى الإستفادة فعلا من أموال النفط والغاز في استثمارات مفيدة بدل استخدام هذه الأموال لشراء السلم الاجتماعي.
اختار النظام الجزائري اتخاذ موقف عدائي من الإمارات بسبب العلاقة الوثيقة بينها وبين المغرب من جهة وسبب عجزه عن اتخاذ موقف واضح من الدول، التي بينها الولايات المتحدة، أو التجمعات الإقليمية التي تدعم الموقف المغربي من جهة أخرى. بين التجمعات الإقليمية مجلس التعاون الخليجي بدوله الست. سبق للمجلس أن اتخذ موقفا صريحا، لا لبس فيه، من مغربيّة الصحراء. ماذا فعلت الجزائر باستثناء الموقف العدائي من الإمارات؟ أكثر من ذلك، لا تتجرّأ الجزائر في ظل نظامها الحالي على اتخاذ موقف من الإعتداءات الإيرانيّة على دول الخليج وذلك بتفاديها ذكر إيران بالإسم.
لا يدل على مدى عمق العلاقة الإماراتية – المغربيّة، أكثر من الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس للرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في اثناء وجوده في المغرب قبل أشهر قليلة. لا يتعلق الأمر بعلاقة شخصية فحسب، بل بعلاقة استراتيجية أيضا تشمل، بين ما تشمل، مشروع خط الغاز الذي يتوقع أن يربط بين نيجيريا والمغرب والذي يمرّ بدول إفريقية عدة ستستفيد منه حتما...
المفارقة أنّ القرار الجزائري بقطع العلاقات مع الإمارات اتخذ في وقت كان الشيخ محمد بن زايد في زيارة لإلمانيا اسفرت عن توقيع اتفاقات عدة رفعت من مستوى العلاقات الإماراتية – الألمانية وطبيعتها. لا تحتاج دولة الإمارات، التي عرفت كيف توظف ثرواتها في خدمة المواطن، إلى شهادة من الجزائر في أي مجال من المجالات. كان على النظام الجزائري الإستفادة من التجربة الإماراتية والعمل من أجل توفير مداخيل أخرى للبلد ومواطنيه بعيدا عن النفط والغاز اللذين سينضبان يوما.
حسنا، لا يستطيع النظام الجزائري، لأسباب معروفة، الإعتراف بالنجاح المغربي. لماذا لا يستفيد من نجاح التجربة الإماراتية، خصوصا في مجال البحث عن إيرادات تشكل بدائل من النفط والغاز، بما في ذلك الإستثمار في قطاعات مثل الطاقة النظيفة... أو السياحة، على سبيل المثال؟
يعبّر البيان الإماراتي الذي صدر ردا على الخطوة الجزائرية عن تفهم عميق لحاجة النظام الجزائري إلى تصدير أزماته الداخلية إلى خارج حدوده. اكتفى البيان بالقول في المقطع الأخير منه: " تتطلع دولة الإمارات إلى أن يكون هذا القرار مؤقتا بما يحفظ الروابط الأخوية بين الشعبين الشقيقين".
ما هو باق في المدى الطويل، يتمثل في العلاقة بين شعبين ومصالح مشتركة يمكن تطويرها بعيدا عن الحسابات الضيقة والصغيرة التي أخذت الجزائر إلى الهرب المستمر من مأزقها الداخلي الذي هو مأزق نظام في طلاق تام مع تطلعات شعبه...







