الحديد يكتب: سيناريوهات ومفاتيح الحرب الثلاثة
زيدون الحديد
مخطئ من يعتقد أن الحروب الكبرى تكون لحظة الحسم فيها عبر قرار واحد، أو توقيع واحد، أو خطاب واحد ينهي كل شيء، لأن الصراع المشتعل بين واشنطن وطهران، وامتداداته على مضيق هرمز وأسواق النفط والممرات البحرية، لم يعد من النوع الذي تغلقه لحظة واحدة، بل صراع تشابكت فيه ثلاثة قرارات منفصلة، وبيد ثلاثة لاعبين مختلفين، فلا يكفي أن يقرر واحد منهم أن الحرب انتهت كي تنتهي فعلا.
فحين يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نهاية الحرب بعد انتخابات التجديد النصفي، فهو يتحدث بلغة السياسي الذي يقيس الزمن بصناديق الاقتراع، لا بلغة الميدان، فترامب يملك فعلا أدوات التهدئة الأميركية كوقف العمليات، وفتح قناة تفاوض، بالإضافة لتخفيف حدة الخطاب، لكن هذه الأدوات تصنع وقفا لإطلاق النار، لا نهاية للحرب.
ولأن الحرب لا تنتهي حين تتوقف الطائرات الأميركية عن التحليق، بل حين يقتنع كل طرف بأن الاستمرار أصبحت كلفته أعلى من التسوية، وهذا اقتناع لا يفرض من مكتب بيضاوي في واشنطن.
أما المنطق الذي يحكم القرار الإيراني فمختلف تماماً عن المنطق الأميركي، فطهران لا تراهن على حسم عسكري، بل على قدرتها على الاستمرار، وكل صاروخ تطلقه، وكل ناقلة نفط تستهدفها في المضيق، رسالة مفادها أن كلفة الحرب على الجميع، لا على إيران وحدها، ومع كل تصريح أميركي عن السيطرة «شبه الكاملة» على هرمز، يقابله واقع ميداني أكثر تعقيدا تدفع فاتورته وبصورة غير مباشرة دول بالمنطقة لم تشعل الحرب أصلا.
أما الطرف الذي قد يملك أقوى فيتو على أي تسوية، فهو إسرائيل، فمهما توصلت واشنطن وطهران إلى صيغة تهدئة، فإن إسرائيل لن تعد الحرب منتهية إن رأت أن الاتفاق يترك لإيران هامشا لإعادة بناء قدراتها العسكرية أو النووية مستقبلا، وهنا يكمن التناقض الأعمق في هذه الحرب، فواشنطن تبحث عن مخرج تتحمل كلفته السياسية والاقتصادية، بينما تبحث إسرائيل عن ضمانة أمنية تمتد لعقد قادم على الأقل، وهذا الفارق في الأفق الزمني بين الحليفين قد يكون أصعب من أي عقدة تفاوضية مع إيران نفسها.
وإن ما يجعل هذه الحرب مختلفة عن سابقاتها هو أنها لم تعد محصورة في سماء طهران أو قواعد عسكرية معزولة، فهرمز وباب المندب، خطوط الشحن والتأمين البحري، أسعار برميل النفط، كلها تحولت إلى ساحات قتال موازية. كل تصعيد في استهداف الناقلات يعني قفزة في أسعار الطاقة عالميا، وكل قفزة في الأسعار تتحول إلى ضغط سياسي داخلي، سواء في واشنطن التي تواجه ناخبين يراقبون فاتورة الوقود، أو في طهران التي ترى اقتصادها يترنح تحت وطأة العقوبات والحصار الملاحي.
أما الحرب فلها ثلاثة سيناريوهات لا سيناريو واحد، أولا الاستنزاف المفتوح، بحيث تستمر الضربات المتبادلة دون حسم عسكري واضح، بينما يتحول الصراع إلى حرب استنزاف اقتصادي وبحري بطيئة، لا أحد يعلن الهزيمة، لكن لا أحد يحقق النصر أيضاً، هذا السيناريو هو الأرجح إذا بقيت الفجوة بين ما تريده واشنطن (تهدئة تحفظ ماء الوجه) وما تريده إسرائيل (ضمانة إستراتيجية طويلة الأمد) بلا جسر.
أما السيناريو الثاني، فهو هدنة هشة تتحول إلى جولة جديدة، يتفق الطرفان على وقف مؤقت للنار، شبيه بما جرى ثم انهار في إسلام آباد سابقا، لكنه ينهار مجددا حين يشعر أحد الأطراف، وغالبا إسرائيل، لأن الاتفاق لا يحقق أهدافه الأمنية.
أما السيناريو الثالث، فهو التفاوض المتدرج نحو تسوية أوسع، يبدأ بصمت الأسلحة قبل صمت الخلاف السياسي، فتتوقف الضربات الكبرى، ثم يُفتح مسار تفاوضي غير مباشر حول هرمز والملف النووي، ثم تتشكل تدريجياً تفاهمات جزئية تتحول بمرور الوقت إلى اتفاق شامل، هذا السيناريو هو الأصعب تحقيقا، لكنه الوحيد الذي يمنح الأطراف الثلاثة ما يريدونه جميعا ولو جزئيا.
وهنا أقول في النهاية إن الحرب لا تنتهي في يوم محدد على التقويم، بل حين تصل ثلاثة قرارات منفصلة إلى نقطة تقاطع، وهي أن تقتنع واشنطن أن التهدئة أرخص من الاستمرار، وأن تقتنع طهران أن التفاوض لا يعني الاستسلام، وأن تقتنع إسرائيل أن التسوية المطروحة تحميها فعلا لا شكليا.







