اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدعجة يكتب: "تأنيث التعليم".. بين التعلم والانضباط

{title}
أخبار الأردن -

 

حسن الدعجة


تحتاج المدرسة العربية إلى إعادة الاهتمام ببناء شخصية الفتى، إلى جانب اهتمامها بتحصيله الدراسي، فالمجتمعات تحتاج شبابًا يمتلكون العلم والشجاعة والانضباط، ويستطيعون اتخاذ القرار وتحمل نتائج اختياراتهم. وفي هذا السياق، تبرز أهمية حضور المعلم الرجل بوصفه قدوة تربوية قريبة، يرى فيها الطالب نموذجًا للقيادة المسؤولة والحزم العادل، وهذه دعوة لتعزيز تنوع البيئة التعليمية، مع تقدير إسهام المعلمة ورسالتها الكبيرة في بناء الإنسان وتربية الأجيال.
 

فالفتى يحتاج إلى أن يلمس معنى المسؤولية في سلوك يومي أمامه معلم يحترم مواعيده، ويفي بوعده، ويطبق القواعد بعدالة، ويعترف بخطئه، ويتدخل لحماية طالب يتعرض للتنمر. بهذه الممارسات تصبح الرجولة المسؤولة تجربة ملموسة. ويستطيع المعلم المؤهل أن يبين لطلابه كيف يجتمع الحزم مع الرحمة، والثقة مع التواضع، وكيف تتحول القوة إلى خدمة الآخرين، والقيادة إلى التزام بمصالح الجماعة وحقوق أفرادها.
وتزداد أهمية هذا الحضور حين يبحث الفتى عن هويته ومكانته الاجتماعية، ويختبر الحدود، ويتطلع إلى الاستقلال. وقد يجد بعض الطلاب في المعلم الرجل شخصًا مناسبًا لمناقشة مخاوفهم وتساؤلاتهم بشأن النضج والأبوة والعمل والمسؤولية الأسرية. لذلك يستحق حضور الرجال المؤهلين في مدارس الذكور اهتمامًا جادًا، ضمن رؤية تربوية تراعي احتياجات الطلاب، وتربط القدوة بالكفاءة والسلوك والقدرة على التواصل.
وفي الأردن، أورد تقرير لمنتدى الاستراتيجيات الأردني، نشرته قناة المملكة عام 2022، أن المعلمات يشكلن نحو 69.5 % من الكادر التعليمي، وترتفع النسبة في المدارس الخاصة إلى 89.2 %. وتدعو هذه البيانات إلى دراسة توزيع المعلمين بحسب المرحلة ونوع المدرسة، وأسباب انخفاض إقبال الرجال على المهنة. لكنها لا تكفي وحدها للحكم على شخصية الطلاب أو تفسير سلوكهم، كما أنها لا تمثل بالضرورة واقع كل مدرسة للذكور.
القدوة المسؤولة ودروس الصين، فقد شهدت نقاشًا بشأن تنشئة الفتيان، وصل إلى مقترح رسمي حمل عنوانًا يمكن ترجمته إلى «منع تأنيث المراهقين الذكور». وفي رد نشرته وزارة التعليم الصينية في يناير 2021، عرضت إجراءات لتعزيز معلمي التربية الرياضية، وتحسين النشاط البدني، وتنمية الإرادة والتعاون والصحة النفسية والجسدية. ويكشف ذلك عن اهتمام رسمي ببناء شخصية الشباب وقدرتهم على مواجهة التحديات.
ومن الضروري فهم النقاش الصيني بدقة؛ فقد نشرت وكالة شينخوا توضيحًا يؤكد أن الصفات المستهدفة تشمل قوة الإرادة، وتحمل المشقة والمسؤولية، وأنها مطلوبة لدى الفتيات والفتيان. والدرس المفيد هو تحويل القلق على الشباب إلى برامج تربوية واضحة، تبني اللياقة والاستقلالية والقدرة على المثابرة والعمل المشترك.
إن مستقبل الأسرة والدولة يرتبط بقدرة الأجيال على تحمل واجباتها. فالفتى الذي يعتاد الاتكال والتهرب من الالتزام يحتاج إلى تربية تعالج هذه السلوكيات مبكرًا. ويشمل ذلك تكليفه بمهام مناسبة لعمره، ومحاسبته بعدالة، وتعليمه إدارة الوقت والمال، واحترام العمل.
ويبدأ تعزيز القدوة الرجالية بإعادة الاعتبار إلى مهنة التعليم، وتحسين ظروفها ومكانتها، وتشجيع الرجال الأكفاء على الالتحاق بها. ويمكن تقديم منح لدراسة التربية، وبرامج تأهيل مهني، وحوافز للعمل في المدارس التي تعاني نقصًا في المعلمين. ويجب أن يقوم التوظيف على الكفاءة والحاجة الفعلية، لأن مجرد وجود رجل داخل الصف لا يصنع نموذجًا قياديًا ما لم يمتلك النزاهة والاتزان والمهارة التربوية.
كما يستحق إعداد المعلمين اهتمامًا يتجاوز شرح المناهج. فالحزم التربوي يتطلب قواعد واضحة وعواقب متناسبة، وقدرة على الاستماع والتوجيه. والمعلم الذي يهين الطلاب أو يستخدم العنف يقدم نموذجًا مضطربًا للسلطة. أما المعلم الذي يضبط الصف باحترام، ويشجع المبادرة، ويواجه الخطأ بثبات، فيعلم الفتى كيف يقود نفسه قبل أن يقود الآخرين، وكيف يدافع عن الحق دون اعتداء.
وتوفر الرياضة والكشافة والرحلات والعمل التطوعي فرصًا عملية لبناء هذه الصفات. فالطالب يتعلم المسؤولية عندما يقود فريقًا، ويلتزم بخطة، ويساعد زميلًا، ويتقبل الخسارة، ويكمل مهمة شاقة. ويمكن إشراك آباء وخريجين ومهنيين في برامج إرشاد منظمة، تتيح للفتيان الاحتكاك برجال يقدمون نماذج متنوعة للأبوة والعمل والخدمة العامة، مع متابعة تربوية تضمن جودة هذه التجارب.
وللمعلمة مكانة أساسية في التربية وتعليم الإناث والذكور في الصفوف الابتدائية الأولى، غير أن إسناد مدارس الذكور حتى الصف السادس إلى كادر نسائي كامل قد يحمّل المعلمات أعباء تربوية ونفسية متزايدة. ففي هذه المرحلة العمرية، تبرز أهمية حضور المعلمين الذكور، الذين قد يكونون أقدر على ضبط الطلاب والتعامل مع سلوكياتهم، وتقديم قدوة رجالية إيجابية تعلّمهم الانضباط واحترام الآخرين وتحمل المسؤولية. فالقدوة هنا ليست في الشدة، بل في الجمع بين الحزم والعدل والحوار، وترجمة المسؤولية إلى سلوك يومي يقتدي به الطالب.
ومن هنا، تستحق شكاوى المعلمات معالجة جادة، من خلال تعزيز حضور المعلمين المؤهلين في مدارس الذكور، وتوفير المساندة الإدارية والشراكة الأسرية. فالمطلوب توزيع مدروس للكادر يستجيب لاحتياجات الطلاب، ويحفظ مكانة المعلمات.
إن بناء رجال الغد مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والمجتمع. ونحتاج إلى فتى واثق بهويته، حازم في مواقفه، رحيم في تعامله، قادر على حماية أسرته وخدمة وطنه واحترام المرأة. ويتحقق ذلك بقدوة مسؤولة، وتربية عملية، وفرص حقيقية للقيادة. فالأوطان يقويها الإنسان الذي يجمع المعرفة بالشجاعة، والحرية بالالتزام، والقدرة بالإحساس العميق بالواجب.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية