اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خطر بشأن الذكاء الاصطناعي على الأردن أن يتداركه سريعًا

{title}
أخبار الأردن -

 

قال  استشاري الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي هاني البطش إن الأردن يمتلك فرصة مهمة للاستفادة من التحول العالمي المتسارع نحو الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في ظل مؤشرات تظهر تقدم المملكة في استخدام هذه التقنيات، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من استخدام التكنولوجيا إلى إنتاجها وتطويرها وتصديرها.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الأردن، رغم محدودية حجم سوقه المحلية، يستطيع توظيف الاقتصاد الرقمي لتجاوز هذا القيد، إذ يمكن لشركة ناشئة أو فريق تقني يعمل من عمّان تطوير منتج أو خدمة وبيعها مباشرة إلى أسواق الخليج وأوروبا وأفريقيا وآسيا، دون الحاجة إلى وجود مادي في كل دولة.

وبيّن البطش أن المملكة تمتلك مؤشرات إيجابية يمكن البناء عليها، لافتًا إلى أن معدل استخدام الذكاء الاصطناعي في الأردن بلغ 27% خلال النصف الثاني من عام 2025، وفق المؤشر المشار إليه، ليحتل الأردن المرتبة الثالثة عربيًا والـ29 عالميًا.

ونوّه إلى أن نتائج PwC لعام 2026 تشير كذلك إلى أن 36% من الرؤساء التنفيذيين في الأردن أفادوا بأن شركاتهم تطبق الذكاء الاصطناعي مباشرة في المنتجات أو الخدمات أو تجارب العملاء، فيما أفاد 35% بأن استخدام هذه التقنيات أدى إلى زيادة الإيرادات.

ولفت البطش إلى أن هذه الأرقام تعني أن الأردن لا يبدأ من الصفر، وأن لديه قاعدة يمكن البناء عليها، لكن السؤال الأهم يرتبط بما إذا كان الأردن سيبقى مستخدمًا لمنتجات الذكاء الاصطناعي التي تنتجها دول وشركات أخرى، أم يتحول إلى منتج وشريك في الاقتصاد الجديد؟.

وأوضح أن العالم يشهد سباقًا واسعًا على امتلاك القيمة الاقتصادية المستقبلية للذكاء الاصطناعي، بعدما تجاوزت التكنولوجيا مرحلة كونها أداة تقنية وأصبحت اقتصادًا متكاملًا يرتبط بمراكز البيانات والرقائق والطاقة والحوسبة السحابية والبرمجيات والروبوتات والخدمات المالية والصحية والصناعية.

وأضاف البطش أن الاستثمار المؤسسي العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي تجاوز، وفق تقرير Stanford AI Index 2026، نحو 581 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة تقارب 130% عن العام السابق، فيما بلغ الاستثمار الخاص نحو 345 مليار دولار.

واستطرد قائلًا إن دلالة هذه الأرقام تتجاوز حجم الإنفاق، لأنها تكشف عن سباق عالمي على امتلاك الشركات والتقنيات والبيانات والبنية التحتية التي ستشكل جزءًا أساسيًا من اقتصاد المستقبل.

ولفت إلى أن النقاش العربي لا يزال يميل بدرجة كبيرة إلى الأسئلة المرتبطة بالمخاطر: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي الوظائف؟... هل سيهدد الخصوصية؟... هل يزيد الجرائم الإلكترونية؟... وما تأثيره في الصحة والتعليم والمجتمع والأمن؟.

وأشار البطش إلى أن هذه المخاوف مشروعة ولا يمكن تجاهلها، خصوصًا من منظور الأمن السيبراني وحماية البيانات، لكنه حذّر من أن تتحول المخاطر إلى سبب يمنع الاستثمار في الفرص.

وذكر أن الدول المتقدمة لا تتعامل مع الأمر بهذه الثنائية، فهي تطور التشريعات المتعلقة بالخصوصية والأخلاقيات والأمن، وفي الوقت نفسه تضخ استثمارات ضخمة في الشركات الناشئة ومراكز البيانات والبحث والتطوير والمنتجات القائمة على الذكاء الاصطناعي.

وأضاف أن المطلوب في الأردن والعالم العربي هو إدارة المخاطر بالتوازي مع بناء الفرصة، بدل أن يتحول الخوف من التكنولوجيا إلى استراتيجية قائمة بذاتها.
الأردن يستطيع تحويل محدودية السوق إلى فرصة
وأوضح البطش أن صغر السوق الأردني يمكن أن يتحول من تحدٍ إلى حافز للتصدير الرقمي، مشيرًا إلى أن الشركة الأردنية لم تعد مضطرة إلى حصر نشاطها في السوق المحلية.

وقال إن مطورًا أردنيًا يستطيع بناء نظام ذكاء اصطناعي لشركة في السعودية أو الإمارات أو أوروبا، كما يمكن للطبيب والمهندس والمحاسب والمصمم والمسوق وغيرهم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتقديم خدمات تنافسية لأسواق خارج المملكة.

وأضاف أن هذه الإمكانية تفتح أمام الأردن بابًا مهمًا لتعزيز صادرات الخدمات الرقمية، وتحويل الكفاءات البشرية الموجودة في المملكة إلى مصدر للقيمة الاقتصادية بدل اقتصار دورها على سوق العمل المحلية.

وأشار إلى أن الفرصة لا تتطلب بالضرورة بناء نموذج ذكاء اصطناعي ضخم ينافس أكبر شركات التكنولوجيا العالمية، وإنما يمكن أن تبدأ من حلول متخصصة تعالج مشكلات محددة في الصحة والطاقة والمياه والزراعة والسياحة والخدمات المالية والتعليم والصناعة واللوجستيات والأمن السيبراني.

وبيّن البطش أن آلاف الخدمات المتخصصة يمكن تحويلها إلى منتجات رقمية قابلة للتصدير إذا توافرت بيئة مناسبة للتمويل والابتكار وحماية الملكية الفكرية والوصول إلى الأسواق.

من "شراء التكنولوجيا" إلى "صناعة التكنولوجيا"

ونوّه البطش إلى أن الفارق بين الاستخدام والإنتاج يمثل القضية الأهم بالنسبة للأردن، موضحًا أن إنفاق الأموال على شراء أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يحسن أداء المؤسسات ويرفع كفاءتها، لكنه لا يخلق بالضرورة صناعة محلية قادرة على توليد القيمة.

وأضاف أن الاستثمار نفسه يمكن أن يذهب إلى بناء شركة أو منصة أو منتج أو خدمة قابلة للتوسع، بما يسمح بتحويل التكنولوجيا من تكلفة تشغيلية إلى أصل اقتصادي ومصدر للإيرادات، متابعًا أن هذا التحول يحتاج إلى ربط الجامعات بالسوق، وتطوير برامج تعليمية تستجيب لحاجات الصناعة، وتمويل الشركات الناشئة، وتحفيز البحث والتطوير، وتسهيل انتقال الأفكار من المختبرات إلى المنتجات.

ولفت البطش إلى أن البيانات تمثل عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة، إذ إن امتلاك البيانات وإدارتها وتحليلها وتطوير حلول مبنية عليها يمكن أن يتحول إلى مصدر مهم للقيمة، شريطة احترام الخصوصية والأمن والتشريعات.

البطش: لا نريد أن نكرر الخطأ نفسه

وقال البطش إن كل موجة تقنية جديدة رافقتها مخاوف، لكن المجتمعات لم تتعامل مع المخاطر باعتبارها سببًا للتخلي عن التكنولوجيا.

وأضاف أن السيارة لها مخاطر وحوادث، والطيران يحمل مخاطر، والإنترنت أوجد الجرائم الإلكترونية، لكن الحل لم يكن في إيقاف هذه القطاعات، وإنما في تطوير القوانين ومعايير السلامة وآليات الرقابة.

وذكر أن الذكاء الاصطناعي لن يكون استثناءً، إذ سيخلق مخاطر حقيقية تتطلب تنظيمًا ورقابة واستثمارًا في الأمن السيبراني، لكنه في الوقت نفسه قد يكون واحدًا من أكبر محركات النمو والإنتاجية والابتكار خلال العقود المقبلة.

وأشار إلى أن الأردن تحديدًا بحاجة إلى مقاربة تقوم على "حواجز أمان تتيح الحركة، لا جدران تمنعها"، بحيث يتم بناء بيئة آمنة لا تعطل الابتكار، وإنما تمنحه الثقة اللازمة للنمو.

فرصة الأردن ليست في التقنية وحدها

وأوضح البطش أن امتلاك التكنولوجيا ليس الهدف النهائي، وإنما القدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية قابلة للتوسع والتصدير، مضيفًا أن الأردن يمتلك رأس مال بشريًا يمكن البناء عليه، وإن التحدي يتمثل في خلق منظومة تحول المعرفة والمهارات إلى شركات ومنتجات وخدمات قادرة على المنافسة خارج المملكة.

وأضاف أن نجاح الأردن في هذا المسار لن يقاس بعدد المؤسسات التي تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما بعدد الشركات التي تبني منتجات قائمة عليه، وحجم الخدمات الرقمية التي تصدرها المملكة، وحجم الاستثمارات التي تستقطبها، والوظائف الجديدة التي تخلقها.

وأشار البطش إلى أن المنطقة العربية بدأت بالفعل في ضخ استثمارات كبيرة في البنية التحتية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، خصوصًا في دول الخليج، ما يعني أن المنافسة الإقليمية ستزداد، وأن الأردن بحاجة إلى تحديد موقعه مبكرًا داخل سلاسل القيمة الجديدة.

الخطر الحقيقي على الأردن
وأكد البطش أن الخطر الأكبر لا يتمثل في أن يأخذ الذكاء الاصطناعي بعض الوظائف من الأردنيين، وإنما في أن تظهر آلاف الوظائف والشركات والأسواق الجديدة في العالم، بينما يكتفي الأردن بشراء المنتجات التي يصنعها الآخرون.

وأضاف أن الفرق بين اقتصاد يستخدم الذكاء الاصطناعي واقتصاد يصنع قيمة من الذكاء الاصطناعي سيكون أكثر وضوحًا خلال السنوات المقبلة، معتبرًا أن التأخر في بناء الشركات والمنتجات المحلية قد يعني خسارة فرص لا يمكن استعادتها بسهولة.


وأشار إلى أن المطلوب ليس أن يخاف الأردن من الذكاء الاصطناعي، ولا أن يتعامل معه باعتباره حلًا سحريًا لكل المشكلات، وإنما أن ينظر إليه كقطاع اقتصادي جديد يحتاج إلى استراتيجية واضحة واستثمار طويل الأجل.

وخلص البطش إلى أن الأردن أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف موقعه في الاقتصاد الرقمي، وأن نجاحه لن يكون في مجرد مواكبة التكنولوجيا أو استهلاك منتجاتها، وإنما في تحويلها إلى شركات أردنية، ومنتجات قابلة للتصدير، وخدمات عالمية، ووظائف جديدة، ومصدر مستدام للنمو.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية