الأردنيون ينتظرون التخفيضات من أجل الشراء... ما الذي يخفيه المشهد الاقتصادي؟
• المواطن الذي يؤجل شراء سلعة أساسية حتى تقترب من نهاية صلاحيتها للحصول عليها بنصف السعر أو بتخفيض كبير، يعني أنه يتكيف مع مستوى سعري لم يعد قادرًا على تحمله بسهولة
• ارتفاع الدخل لا يعني بالضرورة تحسنًا مماثلًا في القدرة الشرائية
• مفهوم الدخل الحقيقي يرتبط بما يستطيع المواطن شراءه فعليًا من سلع وخدمات، وليس بحجم المبلغ الذي يحصل عليه فقط
• المشكلة تظهر بصورة أوضح عندما تنتقل الأسرة من الاستهلاك القائم على الحاجة إلى الاستهلاك القائم على القدرة على الدفع
• المواطن قد يعرف السلعة التي يريدها ويحتاج إليها، لكنه يؤجل شراءها إلى حين ظهور تخفيض مناسب، أو يختار بديلًا أرخص، أو يقلل الكمية التي يشتريها، أو يغيّر توقيت الشراء
• الأسر التي تضطر إلى مراقبة الأسعار بصورة مستمرة، وانتظار التخفيضات، ومقارنة الأسعار بين المتاجر
• المواطن قد يكون لديه دخل ثابت، لكنه لا يشعر بالأمان المالي إذا كان هذا الدخل يستهلك بالكامل في الضروريات
• لا بد من التمييز بين التضخم الرسمي والتضخم الذي يشعر به المواطن في حياته اليومية
• المواطن يحاول الحصول على السلعة بأقل سعر ممكن، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن ضغوط أعمق عندما يصبح الحصول على التخفيض شرطًا أساسيًا لشراء السلعة.
• هذه السلوكيات الاستهلاكية يمكن أن تساعد في فهم جوانب من الواقع الاقتصادي لا تظهر دائمًا بصورة مباشرة في المؤشرات الكلية
قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن لجوء المواطنين إلى انتظار اقتراب انتهاء صلاحية السلع الأساسية لشرائها بأسعار مخفضة، يعد مؤشرًا اقتصاديًا واجتماعيًا يكشف تحولات أعمق في القدرة الشرائية للأفراد والأسر، وفي طبيعة العلاقة بين الدخل والأسعار وكلفة المعيشة.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن المواطن الذي يؤجل شراء سلعة أساسية إلى أن تقترب من نهاية صلاحيتها للحصول عليها بنصف السعر أو بتخفيض كبير، لا يبحث بالضرورة عن صفقة رابحة بالمعنى التقليدي، ذلك أنه يتكيف مع مستوى سعري لم يعد قادرًا على تحمله بسهولة، لافتًا إلى أن انتشار هذا السلوك بين شرائح مختلفة من المجتمع يمكن أن يقدم قراءة مهمة لطبيعة الضغوط التي تواجهها الأسر في إدارة ميزانياتها اليومية.
وبيّن عايش أن هذا السلوك لا يعني، بمفرده، أن معدل التضخم ارتفع أو أن دخل الفرد انخفض، لكنه يكشف عن فجوة آخذة في الاتساع بين الأسعار والدخل الحقيقي، وهي الفجوة التي تحدد بصورة أكثر دقة قدرة المواطن على شراء احتياجاته الأساسية والاحتفاظ بمستوى معيشة مقبول.
وأوضح أن ارتفاع الدخل لا يعني بالضرورة تحسنًا مماثلًا في القدرة الشرائية، إذ إن المواطن قد يحصل على راتب أعلى من السابق، لكن ارتفاع أسعار الغذاء والسكن والطاقة والخدمات وغيرها قد يلتهم جزءًا كبيرًا من هذه الزيادة، ما يجعل الدخل الحقيقي أقل مما توحي به الأرقام النقدية المجردة.
ونوّه عايش إلى أن مفهوم الدخل الحقيقي يرتبط بما يستطيع المواطن شراءه فعليًا من سلع وخدمات، وليس بحجم المبلغ الذي يحصل عليه فقط، مشيرًا إلى أن الراتب الذي يرتفع بنسبة معينة قد يفقد جزءًا من قيمته إذا ارتفعت في المقابل كلفة الاحتياجات الأساسية بوتيرة أعلى.
وقال إن قراءة بعض المؤشرات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة توضح هذه المفارقة، موضحًا أن معدل البطالة بين عامي 2022 و2025 شهد تراجعًا بنحو 1.5%، فيما ارتفع دخل الفرد الحقيقي بنحو 3%، بينما ارتفع دخل الفرد بالأسعار الجارية بنحو 9%.
وأضاف أن هذه الأرقام تعكس فرقًا مهمًا بين نمو الدخل النقدي وبين التحسن الفعلي في القدرة الشرائية، إذ إن ارتفاع الدخل بالأسعار الجارية لا يعني بالضرورة أن المواطن أصبح قادرًا على شراء احتياجات أكثر بالقدر نفسه، خصوصًا عندما تكون الزيادة في الدخل مصحوبة بارتفاع في كلفة المعيشة.
وأشار إلى أن المشكلة تظهر بصورة أوضح عندما تنتقل الأسرة من الاستهلاك القائم على الحاجة إلى الاستهلاك القائم على القدرة على الدفع، موضحًا أن المواطن قد يعرف السلعة التي يريدها ويحتاج إليها، لكنه يؤجل شراءها إلى حين ظهور تخفيض مناسب، أو يختار بديلًا أرخص، أو يقلل الكمية التي يشتريها، أو يغيّر توقيت الشراء.
ولفت عايش إلى أن هذا التحول يحمل دلالة اقتصادية واجتماعية مهمة، لأن المستهلك في الوضع الطبيعي يتخذ قراراته وفق مجموعة من المعايير تشمل الحاجة والسعر والجودة والتوقيت، بينما يصبح السعر في ظل الضغوط المعيشية العامل الأكثر تأثيرًا في القرار، حتى لو كان ذلك على حساب معايير أخرى.
وأوضح أن انتظار اقتراب انتهاء الصلاحية لشراء السلع الغذائية يمثل أحد الأمثلة الواضحة على هذا التحول، إذ ينتقل المواطن من شراء المنتج عندما يحتاج إليه إلى مراقبة السوق وانتظار اللحظة التي يصبح فيها السعر متوافقًا مع قدرته المالية.
وذكر عايش أن هذا السلوك يعني إعادة تركيب الاستهلاك نفسه، بحيث يتم تأجيل بعض المشتريات، وتقليل الكميات، والبحث عن العروض، والتنقل بين المتاجر، واختيار المنتجات الأقل سعرًا، وأحيانًا تقديم السعر على الجودة، مضيفًا أن استمرار هذا النمط يؤدي إلى تراجع هامش الاختيار أمام الأسر، وهو ما ينعكس على مستوى الرفاه الاقتصادي، لأن الرفاه لا يرتبط فقط بقدرة الأسرة على شراء احتياجاتها الأساسية، وإنما أيضًا بامتلاكها مساحة من الخيارات تسمح لها باختيار ما يناسبها من حيث الجودة والسعر والتوقيت.
وأشار إلى أن الأسر التي تضطر إلى مراقبة الأسعار بصورة مستمرة، وانتظار التخفيضات، ومقارنة الأسعار بين المتاجر، تصبح أكثر حساسية تجاه أي تغير سعري، حتى عندما يكون الفرق محدودًا نسبيًا.
واستطرد عايش قائلًا إن هذه الحساسية تجاه الأسعار يمكن أن تكون مؤشرًا على ضيق الهامش المالي المتاح للأسرة، إذ إن توفير مبلغ بسيط على سلعة أساسية قد يصبح ذا أهمية كبيرة عندما تكون الميزانية الشهرية مستنزفة أصلًا بالاحتياجات الضرورية.
وقال إن هذه الحالة تنعكس كذلك على الادخار، موضحًا أن الأسرة التي يذهب معظم دخلها إلى الغذاء والسكن والطاقة والمواصلات والخدمات الأساسية لا يتبقى لها هامش مريح يمكن تخصيصه للادخار، ما يجعل قدرتها على مواجهة الطوارئ أو التخطيط المالي طويل الأجل أكثر محدودية.
وأضاف أن الأمر قد يتحول إلى شكل من أشكال "الادخار السلبي"، حين يصبح انتظار انتهاء الصلاحية أو التخفيضات الكبيرة جزءًا من استراتيجية الأسرة لتقليل كلفة مشترياتها، بدلًا من أن يكون الادخار ناتجًا عن وجود فائض مالي يمكن تخصيصه للمستقبل.
وأشار عايش إلى أن هذا الواقع يغير أيضًا طبيعة إدارة الأسرة لموازنتها، إذ لم تعد المهمة مقتصرة على توزيع الدخل بين البنود المختلفة، وإنما أصبحت تتطلب بحثًا مستمرًا عن الفرص السعرية، ومراقبة العروض، وإعادة ترتيب الأولويات، وتأجيل بعض الاحتياجات إلى حين توافرها بسعر يمكن تحمله.
ولفت إلى أن هذه الضغوط تمتد إلى الوقت والجهد، إذ تضطر بعض الأسر إلى زيارة أكثر من متجر، ومقارنة الأسعار، وانتظار العروض، ومتابعة المنتجات المخفضة، ما يعني أن كلفة الحصول على السلعة لا تقاس بسعرها وحده، وإنما بالوقت والجهد المبذولين للوصول إلى السعر المقبول، متابعًا أن المواطن قد يتحمل أيضًا مخاطر مرتبطة بشراء منتجات قريبة من انتهاء صلاحيتها، خصوصًا عندما يصبح السعر عاملًا حاسمًا في القرار، وهو ما يجعل الحاجة إلى الوعي بسلامة المنتج وشروط التخزين وفترة الصلاحية أمرًا أكثر أهمية.
ونبّه عايش إلى أن انتشار هذا السلوك لا يمكن تفسيره بالفقر وحده، لأن الضغوط السعرية قد تدفع شرائح مختلفة من الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل إلى تبني السلوك نفسه، وإن بدرجات متفاوتة، مشيرًا إلى أن القضية ترتبط بدرجة أكبر بمستوى الأمان المالي والهامش المتاح للأسرة بعد تغطية احتياجاتها الأساسية.
وأضاف أن المواطن قد يكون لديه دخل ثابت، لكنه لا يشعر بالأمان المالي إذا كان هذا الدخل يستهلك بالكامل في الضروريات، موضحًا أن الاستقرار الاقتصادي للأسرة لا يقاس بالدخل وحده، وإنما بقدرتها على تغطية احتياجاتها والاحتفاظ بهامش للطوارئ والادخار والإنفاق الاختياري.
وذكر أن ضرورة التمييز بين التضخم الرسمي والتضخم الذي يشعر به المواطن في حياته اليومية، موضحًا أن مؤشرات التضخم تقيس تغير أسعار مجموعة من السلع والخدمات وفق منهجيات محددة، بينما يعكس "التضخم المحسوس" التجربة اليومية للمستهلك عندما يذهب إلى السوق ويجد أن المبلغ نفسه لم يعد يشتري الكمية نفسها التي كان يحصل عليها سابقًا.
وقال عايش إن شراء سلعة بسعر مخفض بسبب قرب انتهاء صلاحيتها لا يؤدي بالضرورة إلى خفض معدل التضخم الرسمي، لأن السعر المخفض يمثل حالة خاصة ضمن السوق، لكن انتشار هذا السلوك يمكن أن يعطي إشارة إلى أن الأسعار المعتادة لبعض السلع أصبحت مرتفعة مقارنة بقدرة شرائح من المستهلكين على تحملها.
ولفت إلى أن أهمية الظاهرة تكمن في أنها تكشف العلاقة بين السعر والدخل والقدرة على الاستهلاك، وهي العلاقة التي تحدد بصورة أكبر حجم الضغط المعيشي الذي تشعر به الأسر.
وأضاف عايش أن اتساع هذه الممارسات قد يعيد تشكيل السوق نفسه، لأن الطلب على السلع القريبة من انتهاء الصلاحية قد يرتفع عندما تصبح التخفيضات عليها كبيرة، وهو ما يمكن أن يدفع بعض المتاجر إلى التعامل معها كفئة تسويقية تستهدف المستهلك الباحث عن السعر الأقل.
وأشار إلى أنه إذا تحول هذا السلوك إلى اتجاه واسع لدى شرائح اجتماعية متعددة، فقد تظهر ملامح ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد انتهاء الصلاحية"، حيث تصبح السلع التي تقترب صلاحيتها من الانتهاء أكثر جذبًا للمستهلكين بسبب انخفاض أسعارها، وليس بسبب تفضيلهم لها في الأصل.
وأوضح عايش أن هذا الأمر قد يدفع بعض التجار إلى عرض هذه السلع بطريقة أكثر وضوحًا، ليس لأنها أصبحت مرغوبة بذاتها، وإنما لأن السعر المخفض أصبح عامل الجذب الأساسي للمستهلك، ما يجعل التخفيض أداة لتوسيع دائرة الطلب على المنتجات التي تقترب من نهاية صلاحيتها.
وذكر أن ظهور مثل هذا النمط على نطاق واسع يستحق الدراسة من زاوية اقتصادية واجتماعية، لأنه قد يكشف عن تغير في سلوك المستهلك وفي الطريقة التي تتعامل بها الأسر مع الأسواق، وليس مجرد ظاهرة مرتبطة بالتسوق أو العروض التجارية.
وأضاف عايش أن ارتفاع الأسعار يصبح أكثر ضغطًا عندما لا يواكبه تحسن مماثل في الدخل الحقيقي، لأن المواطن في هذه الحالة يجد نفسه أمام خيارين: إما زيادة الإنفاق على الاحتياجات الأساسية على حساب الادخار والاستهلاك الاختياري، أو تقليص الاستهلاك وإعادة ترتيب الأولويات.
وأشار إلى أن النتيجة في الحالتين تتمثل في تضييق الهامش المالي للأسرة، وتراجع قدرتها على الاختيار، وتحول جزء من سلوكها الاستهلاكي من الاختيار إلى التكيّف.
وقال عايش إن هذا التكيّف قد يبدو في ظاهره عقلانيًا، لأن المواطن يحاول الحصول على السلعة بأقل سعر ممكن، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن ضغوط أعمق عندما يصبح الحصول على التخفيض شرطًا أساسيًا لشراء السلعة.
وأضاف أن تحول المستهلك من شراء ما يحتاجه عندما يحتاجه إلى شراء ما يحتاجه عندما يستطيع تحمل سعره يمثل، في رأيه، إحدى أكثر الإشارات وضوحًا على الضغط المعيشي، لأن القرار الاستهلاكي يصبح مرتبطًا بالدخل المتاح وليس بالحاجة وحدها.
وأشار إلى أن استمرار هذا النمط قد يؤثر كذلك في نوعية الاستهلاك، إذ قد تتجه الأسر بصورة أكبر إلى المنتجات الأرخص، أو تقلل من الكميات، أو تستبدل بعض المنتجات بأخرى، وهو ما يعني أن تغير القدرة الشرائية لا يظهر فقط في حجم الإنفاق، بل في تركيب هذا الإنفاق أيضًا.
وبيّن عايش أن قراءة هذه السلوكيات الاستهلاكية يمكن أن تساعد في فهم جوانب من الواقع الاقتصادي لا تظهر دائمًا بصورة مباشرة في المؤشرات الكلية، لأن الأرقام الرسمية قد تقول إن الدخل ارتفع، بينما تكشف ممارسات المستهلكين عن حجم الضغوط التي يواجهونها في حياتهم اليومية.
وخلص إلى أن انتشار انتظار التخفيضات الكبيرة على السلع الأساسية، وخصوصًا تلك التي تقترب من انتهاء صلاحيتها، يمثل مؤشرًا يستحق التوقف عنده، لأنه يعكس تآكلًا في الهامش المالي والصحة المالية للأسر، وارتفاعًا في الأعباء المعيشية، وتراجعًا في الرفاه والاختيار الاستهلاكي، ذك أن جوهر المشكلة يكمن في العلاقة بين الأسعار والدخل الحقيقي ونمط الحياة الاقتصادي للأسرة، محذرًا من أن تحول التخفيضات الاستثنائية إلى وسيلة أساسية للحصول على الاحتياجات الضرورية يعني أن جزءًا من المستهلكين أصبح يشتري وفق الحد الأدنى الذي يستطيع دفعه، لا وفق ما يريده أو يراه الأنسب له.







