النعسان يكتب: عمان تختنق.. وأزمة المرور أصبحت أزمة حلول
فراس النعسان
أزمة عمّان المرورية لم تعد أزمة شوارع وسيارات وإشارات ضوئية فقط، بل أصبحت، قبل كل شيء، أزمة حلول مؤجلة. فالمدينة تعرف منذ سنوات أين تختنق، ومتى تختنق، ولماذا تختنق، والمواطن يعرف ذلك أيضاً بحكم التجربة اليومية، لكن ما لم ننجح بعد في معرفته هو متى تتحول هذه المعرفة المتراكمة إلى قرارات تنهي الاختناق أو تخفف منه. المشكلة لم تعد في غياب التشخيص، وإنما في أن التشخيص نفسه يبدو أحياناً وكأنه أصبح بديلاً عن العلاج، وأن كل ازدحام جديد يفتح باباً واسعاً لتفسير جديد، فيما يبقى الحل واقفاً في الطابور نفسه الذي يقف فيه المواطن كل صباح.
في عمّان، تستطيع أن تعرف موعد الازدحام بدقة تكاد تنافس دقة الساعة، وأن تعرف الشوارع التي ستتوقف فيها حركة السير قبل أن تصل إليها، وأن تحفظ الاختناقات كما يحفظ المرء أسماء أقاربه. المواطن لم يعد يحتاج إلى خبير مرور ليخبره أن الضغط على الطرق ازداد، وأن أعداد المركبات ارتفعت، وأن المدينة توسعت، وأن بعض المحاور لم تعد قادرة على استيعاب الحركة اليومية. المواطن يعيش هذه الحقيقة من خلف مقود سيارته، ويدفع ثمنها من وقته وأعصابه ووقوده وإنتاجيته. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح على أمانة عمّان الكبرى ليس: لماذا ازدحمت المدينة؟ فهذا السؤال أصبح قديماً جداً، وإنما: لماذا تأخر الحل إلى هذا الحد؟
وهنا تحديداً تظهر تلك المهارة الإدارية التي يمكن تسميتها، بشيء من السخرية، «الخبرة في تبرير الحاجات». وهي خبرة لا تتعلق فقط بأزمة المرور، وإنما تظهر في كل مرة يصبح فيها المطلوب تفسيراً للتأخير أكثر من كونه حلاً للمشكلة. هناك دراسة، وهناك خطة، وهناك تنسيق، وهناك أولويات، وهناك تحديات فنية، وهناك كلف مالية، وهناك مشاريع مرتبطة، وهناك حاجة إلى تقييم الأثر المروري، ثم ربما نحتاج إلى مراجعة نتائج التقييم قبل الانتقال إلى الخطوة التالية. وبين خطوة وأخرى، تبقى السيارات متوقفة، ويبقى المواطن يتنقل بين الفرامل والوعود.
والطريف أن المواطن الأردني أصبح خبيراً في قراءة هذه اللغة. عندما يسمع أن «العمل جارٍ على معالجة الاختناقات»، يعرف أن عليه أن ينتظر. وعندما يسمع أن «المشروع قيد الدراسة»، يعرف أن السيارة ستبقى في مكانها فترة أخرى. وعندما يسمع أن «هناك حلولاً إستراتيجية»، يشعر بالارتياح قليلاً، ليس لأن الحل اقترب، وإنما لأن العبارة تبدو كبيرة بما يكفي لتفسير سبب عدم وجود حل صغير على الأرض. أما كلمة «قريباً»، فقد أصبحت وحدها مشروعاً زمنياً مفتوحاً، لا بداية له ولا نهاية معروفة.
ولا يعني هذا أن أمانة عمّان مطالبة بأن تفعل المستحيل أو أن تجعل العاصمة خالية من الازدحام. هذا غير واقعي في مدينة حية تتوسع وتتحرك فيها آلاف المركبات يومياً. كما أن معالجة الاختناقات المرورية ليست قراراً إدارياً بسيطاً يمكن تنفيذه بين ليلة وضحاها. لكن الفرق كبير بين صعوبة الحل وبين تأجيل الحل، وبين أن تكون المشكلة معقدة وبين أن تصبح هذه الصعوبة مبرراً دائماً لعدم رؤية نتائج ملموسة. المؤسسات الكبيرة لا تُقاس فقط بقدرتها على شرح تعقيد المشكلة، وإنما بقدرتها على تحويل هذا التعقيد إلى خطة واضحة ومواعيد محددة ونتائج يمكن للناس أن يروها في الشارع.
المواطن لا يريد معجزة مرورية، ولا ينتظر أن تستيقظ عمّان ذات صباح فتجد نصف سياراتها قد اختفت. يريد شيئاً أكثر تواضعاً: أن يعرف ماذا تفعل الجهة المسؤولة، ومتى ستبدأ، ومتى ستنتهي، وما الذي سيتغير فعلياً بعد التنفيذ. فإذا كان الحل يحتاج إلى سنوات، فليُقال ذلك بوضوح. وإذا كانت هناك أولويات، فليعرف الناس ما هي. وإذا كان مشروع معين غير ممكن فنياً أو مالياً، فليكن هناك بديل. أما أن تظل الأزمة قائمة، فيما تتغير أسماء الخطط والتفسيرات، فهذا يجعل المواطن يشعر بأن الإدارة تتقدم في إنتاج المبررات بالسرعة التي تتراجع بها حركة السير.
والأمر لا يتعلق فقط براحة الناس. الازدحام المستمر له ثمن اقتصادي واجتماعي لا يمكن اختزاله في دقائق ضائعة. آلاف الموظفين يصلون إلى أعمالهم مرهقين، وآلاف آخرون يقضون جزءاً كبيراً من يومهم في السيارات، واستهلاك الوقود يرتفع، والمواعيد تتأخر، والشاحنات تتعطل، والنشاط الاقتصادي يدفع كلفة مباشرة وغير مباشرة. وعندما يصبح الاختناق مشهداً يومياً، فإن المدينة تبدأ بدفع فاتورة صامتة لا تظهر كلها في ميزانية واحدة، لكنها تظهر في وقت الناس وأعصابهم وإنتاجيتهم.
الأهم من ذلك كله أن المدينة التي تعرف مشكلاتها منذ سنوات يفترض أن تكون قد انتقلت من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ. لا بأس أن ندرس، ولا بأس أن نراجع، ولا بأس أن نعيد ترتيب الأولويات، لكن الدراسة يجب أن يكون لها موعد تنتهي فيه، والخطة يجب أن يكون لها موعد تبدأ فيه، والمشروع يجب أن يكون له موعد يرى فيه المواطن نتيجته. وإلا فإننا ندخل في الحلقة الأكثر راحة للإدارة والأكثر إرهاقاً للمواطن: مشكلة معروفة، وتفسير جاهز، وخطة قادمة، وموعد غير محدد.
وربما يكون أكثر ما تحتاجه عمّان اليوم ليس خطاباً جديداً عن أزمة المرور، فقد سمعنا ما يكفي، وإنما نوع مختلف من الإجابات. إجابات تبدأ من المسؤولية وتنتهي بنتيجة، لا من التبرير وتنتهي بمزيد من الانتظار. فالاعتراف بأن الشارع مزدحم ليس إنجازاً، وإعلان أن هناك خطة ليس إنجازاً أيضاً. الإنجاز الحقيقي هو أن يصل المواطن إلى مكانه في وقت أقصر، وأن يرى بأم عينه أن الأموال التي تُنفق والدراسات التي تُنجز والقرارات التي تُتخذ قد تحولت إلى شارع أكثر انسيابية وحياة يومية أقل اختناقاً.
عمّان لا تحتاج إلى من يكتشف أنها مزدحمة؛ أهلها يعرفون ذلك أكثر من أي تقرير. ولا تحتاج إلى من يشرح لهم أن المشكلة معقدة؛ هم يعيشون تعقيدها كل يوم. ما تحتاجه المدينة هو أن تشعر بأن هناك من يتعامل مع الازدحام باعتباره مشكلة يجب تقليصها، لا واقعاً يجب التعايش معه، وأن تأخر الحل ليس أمراً طبيعياً يمكن تمديده إلى ما لا نهاية.
ففي النهاية، قد يكون من الطبيعي أن تتوقف السيارات في عمّان، لكن ليس من الطبيعي أن تتوقف الحلول معها.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحاً على أمانة عمّان الكبرى ليس لماذا اختنقت المدينة اليوم، بل لماذا ما زال الحل يبحث عن طريقه إليها بعد كل هذه السنوات.
فإذا كان الجواب: «الموضوع قيد الدراسة»، فلا بأس. لكن نتمنى، هذه المرة، أن تتحرك الدراسة أسرع من السيارات.







