اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

المنسي يكتب: الدورة الثالثة.. النواب هل يتركون أثرا؟

{title}
أخبار الأردن -

 

جهاد المنسي


ليس أمام مجلس النواب في دورته العادية الثالثة ترف في أن يبدأ من حيث انتهى، فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مجلس يكرر أدواته وخطابه، وإنما إلى مجلس يختبر قدرته على أن يكون جزءاً من الإجابة عن أسئلة الدولة والمجتمع، لا مجرد ساحة للنقاش حولها.
 

الدورة الثالثة لمجلس النواب العشرين تأتي في توقيت مختلف، فالأصل المضي في مسارات التحديث السياسي والإداري والاقتصادي، وكم أن المنطقة من حولنا تعيد إنتاج تحدياتها كل يوم، فيما تتسع المسافة بين ما يحدث داخل المؤسسات وما يصل إلى المواطن من معلومات وانطباعات، وفي مثل هذه اللحظة، يصبح دور مجلس النواب أكبر من مجرد إقرار القوانين وممارسة الرقابة بالمعنى التقليدي.
دستورياً، تبدأ الدورة العادية في الأول من تشرين الأول، غير أن الدستور يتيح لجلالة الملك إرجاء اجتماع مجلس الأمة إلى تاريخ يحدد بالإرادة الملكية، على ألا تتجاوز مدة الإرجاء شهرين، ومن المرجح أن يجري الإرجاء والتوقعات أن يتم إرجاء الدورة لأواخر تشرين الأول، وهو أمر ينبغي النظر إليه باعتباره فرصة للتحضير، لا عطلة سياسية جديدة، فالمجلس والحكومة أمام ملفات تستحق أن تدخل الدورة وهي واضحة الأولويات، لا أن يجري اكتشافها بعد افتتاحها.
المطلوب من النواب في هذه الدورة تغيير زاوية النظر إلى العمل النيابي، فليس المهم فقط كم قانوناً أقر المجلس، أو كم سؤالاً وجه النواب، وإنما ماذا أنتج ذلك كله، هل حسّن قانون حياة الناس؟ هل كشفت الرقابة خللاً وتمت معالجته؟ هل نجح النائب في نقل قضية من دائرة الشكوى الفردية إلى مستوى السياسة العامة؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح العمل البرلماني معناه، والأهم أن يعيد النواب بناء علاقتهم بالمجتمع، النائب الذي يبقى داخل القبة يسمع جزءاً من الحقيقة، أما الذي يذهب إلى المصنع والجامعة والبلدية والنقابة وموقع العمل، ويجلس مع أصحاب المهنة والخبرة والشباب، فإنه يرى الصورة من زاوية أخرى، فالتواصل هنا ليس حملة علاقات عامة، ولا سباقاً على الظهور، وإنما أداة لفهم المجتمع قبل التشريع باسمه أو الرقابة نيابة عنه.
ولعل أحد أهم احتياجات الدورة الثالثة هو التفكير خارج الصندوق، لا يعني ذلك تجاوز الدستور أو القوانين، بل الخروج من الاستخدام النمطي للأدوات الدستورية، لماذا لا تصبح بعض اللجان منصات حوار حقيقية مع الخبراء والقطاعات المعنية قبل إقرار التشريعات؟ لماذا لا تتحول الزيارات الميدانية إلى أوراق عمل وتوصيات قابلة للمتابعة؟ ولماذا لا يتعامل النائب مع بعض القضايا باعتبارها مشكلات وطنية تحتاج إلى حلول، لا مجرد ملفات انتخابية؟
حتى العلاقة مع الحكومة تحتاج إلى مقاربة أكثر نضجاً، الرقابة ليست خصومة، والتعاون ليس تنازلاً عن الدور الدستوري، الحكومة مطالبة بأن تشرح إنجازاتها للناس بصورة أفضل، والنواب مطالبون بأن يراقبوا بجدية، وأن يميزوا بين النقد الذي يصحح المسار والنقد الذي يكتفي بتسجيل موقف.
الدورة الثالثة يجب ألا تكون مجرد سنة تشريعية جديدة، إنها فرصة لمراجعة طريقة العمل نفسها: كيف يتحدث المجلس؟ كيف يستمع؟ كيف يختار أولوياته؟ وكيف يقيس أثر ما يفعله؟
فالبرلمان لا يستعيد ثقة الناس بكثرة البيانات ولا بعدد الاجتماعات، وإنما حين يرى المواطن أن صوته يصل إلى مكان القرار، وأن النائب لا يكتفي بنقل المشكلة بل يبحث عن حلها، وأن الخلاف تحت القبة لا يتحول إلى انقسام خارجها.
الدورة الثالثة هي اختبار للبرلمان قبل أن تكون اختباراً للحكومة، إما أن يثبت المجلس أن التحديث السياسي يمكن أن يتحول إلى ممارسة يومية داخل المؤسسة التشريعية، وإما أن يبقى التحديث عنواناً جميلاً فوق أدوات قديمة، وبين الخيارين تتحدد صورة المجلس فيما تبقى من عمره، والأهم: مقدار ما سيتركه وراءه من أثر.


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية