اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

سبايلة يكتب: إيران وسلاح الفوضى.. عندما تصبح الطاقة آخر أوراق الضغط

{title}
أخبار الأردن -

 

د.عامر سبايلة


ما تقوم به إيران حاليًا يمكن قراءته باعتباره محاولة لكسر الحصار الاقتصادي من خلال إعادة استهداف سوق الطاقة ورفع كلفة أي سياسة دولية تستهدفها. فالمواجهة العسكرية المباشرة لا تبدو الخيار الأكثر فاعلية لطهران في هذه المرحلة، بقدر ما يبدو استخدام الفوضى في الممرات البحرية ومنشآت الطاقة والأسواق الدولية وسيلة أقل كلفة وأكثر قدرة على إرباك الخصوم.
 

هذه المقاربة تفسر إلى حد كبير لماذا لم تتحرك إيران بصورة مباشرة لإنقاذ حزب الله، حتى مع تراجع جزء مهم من قدراته وتعرض بنيته التحتية واللوجستية لضربات متواصلة. لم تربط طهران تحركاتها بمصير الحزب، ولم تدخل في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. ويبدو أن حساباتها قامت على قاعدة مختلفة: أقل كلفة ممكنة لإحداث أعلى كلفة ممكنة على الخصوم.
من هنا تبرز أهمية الجبهتين اليمنية والعراقية. فالجبهات التي توجد فيها إسرائيل تبدو بالنسبة لإيران أكثر حساسية وقابلية لإنتاج رد مباشر، ولذلك تتجنب طهران، إلى حد كبير، تحويلها إلى ساحات مواجهة مفتوحة. في المقابل، تبدو جبهتا العراق واليمن أكثر ملاءمة لاستراتيجية رفع الكلفة من دون الانزلاق إلى حرب مباشرة.
وفي اليمن تحديدًا، يكتسب الضغط باتجاه باب المندب أهمية تتجاوز البعد اليمني. فتهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم لا يحتاج بالضرورة إلى عمليات عسكرية معقدة؛ يكفي رفع مستوى المخاطر أمام الملاحة باستخدام أدوات محدودة نسبيًا، مثل الصواريخ أو الطائرات المسيرة أو الزوارق، لخلق انطباع بأن المرور في المنطقة لم يعد آمنًا.
وهنا تتحول المسألة من أزمة أمنية إقليمية إلى قضية دولية. فارتفاع المخاطر في باب المندب، بالتزامن مع التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز، يمكن أن ينعكس سريعًا على حركة التجارة وأسعار التأمين والنقل، والأهم على أسعار الطاقة. وإذا تزامن ذلك مع تهديد منشآت النفط والطاقة في الخليج، فإن المنطقة قد تعود إلى معادلة اضطراب أسعار النفط، وهي معادلة تستطيع إيران توظيفها لرفع كلفة الضغوط الاقتصادية عليها.
هذه ليست استراتيجية جديدة تمامًا. فمنذ سنوات، حاولت طهران تحويل آثار الضغط المفروض عليها إلى مشكلة تتجاوزها، بحيث تصبح تداعيات العقوبات والحصار الاقتصادي قضية دولية. لكن الجديد اليوم هو تغير الأدوات المتاحة أمامها. فكلما أصبحت بعض الجبهات أكثر صعوبة وكلفة، زادت قيمة الجبهات التي يمكن استثمارها بأدوات أقل تكلفة لتحقيق تأثير أكبر.
ولهذا، لم يعد كافيًا التعامل مع العراق واليمن باعتبارهما ملفين منفصلين عن الأمن الإقليمي والدولي. فترك هذه الساحات في حالة فراغ أو تعطيل لا يعني اختفاء الخطر، بل قد يمنح إيران مساحة أكبر لاستخدامها عندما ترى أن الظروف أصبحت مناسبة.
إيران لا تحتاج إلى السيطرة على سوق الطاقة؛ يكفيها أن تجعله أكثر اضطرابًا. ولا تحتاج إلى إغلاق باب المندب بالكامل؛ يكفيها أن تجعل الملاحة فيه أكثر خطورة. ولا تحتاج إلى تدمير منشآت الطاقة؛ يكفيها أن تجعل احتمال استهدافها قائمًا.
وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة. فحماية منشآت الطاقة والممرات البحرية ستصبح جزءًا أكثر وضوحًا من معادلة الأمن الإقليمي، فيما تحتاج الدول العربية إلى الانتقال من مجرد اعتراض الهجمات إلى رفع كلفة استخدام هذه الأدوات نفسها.
كما أن المجتمع الدولي لا يستطيع التعامل مع هرمز وباب المندب باعتبارهما ملفين إقليميين منفصلين، فالممرات البحرية تصبح قضية دولية عندما تهدد سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة.
في النهاية، قد تكون إيران وصلت إلى مرحلة تصبح فيها المواجهة العسكرية المباشرة أكثر كلفة من استخدامها أدوات غير مباشرة. ولذلك أصبحت الفوضى نفسها أداة من أدوات القوة.
المعادلة واضحة: إذا كانت طهران تحاول كسر الحصار عبر رفع الكلفة على الآخرين، فإن الرد لا يمكن أن يقوم فقط على احتواء التهديد، بل يجب أن يقوم على رفع كلفة التهديد نفسه.
فالمرحلة المقبلة لن تُحسم فقط في ساحات القتال، وإنما أيضًا في الممرات البحرية وأسواق الطاقة، وفي قدرة دول المنطقة والمجتمع الدولي على منع تحويل الفوضى من أداة مؤقتة إلى إستراتيجية ضغط دائمة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية