نادية سعدالدين تكتب: مناورات عسكرية أم تهجير الفلسطينيين؟
نادية سعدالدين
لا يمكن فصل الحشد العسكري والتصعيد الهمجي في الضفة الغربية ومناورات «بزوغ الفجر» المُباغتة والواسعة النطاق (6 سبتمبر 2026) عند الحدود الأردنية والمصرية، عن إطار خطة صهيونية قيد التنفيذ لتهجير الفلسطينيين، نظير ما يعتقده «نتنياهو»، وتيار اليمين الديني القومي المتطرف، أن الفرصة الإقليمية الراهنة سانحة لتحقيق «الحلم التاريخي» بـ»أرض إسرائيل الكبرى» وتصفية القضية الفلسطينية، أو هكذا يتخيلون.
لا يكل «نتنياهو» أو يمل عن مسعى تجسيد عقيدته الأيديولوجية المُتطرفة حتى لو أخفق مراراً ببلوغها؛ فهو يحاول اليوم إنتاج نفس السيناريو العقيم في الضفة الغربية بتهجير العدد الأكبر من الفلسطينيين نحو الأردن تمهيداً «للضم»، والذي لم ينله منذ شن حرب الإبادة الصهيونية ضد قطاع غزة رغم محاولاته البائسة بتهجير سكانه و»تطهيره» من المقاومة وتسهيل سيطرته وربما إعادة احتلاله واستيطانه كحال ما قبل 2005، دونما فائدة مرجوة بفعل الصمود الفلسطيني الأسطوري وثبات المقاومة والموقف الأردني والمصري الصلب المناهض للمخطط.
وفي منظور «نتنياهو» العدائي؛ فإن الربط بين تصعيد عدوان الاحتلال وعنف مستوطنيه في الضفة الغربية وبين تأمين الحدود الشرقية الأطول لفلسطين المحتلة من شأنه أن يخدم أهداف الطرد والتهجير عبر مستويين؛ أولاً «البيئة الطاردة» باعتبار أن العمليات العسكرية الكثيفة في مدن ومخيمات شمال الضفة الغربية (جنين وطولكرم ونابلس) وتدمير البنى التحتية والتضييق الاقتصادي والقتل والتنكيل تؤدي لإيجاد بيئة غير قابلة للحياة، مما يدفع الفلسطينيين للهجرة أو النزوح الداخلي.
أما المستوى الثاني الأخطر فمُستوحى من استراتيجية «الحرب الشاملة متعددة الجبهات» التي صاغها رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال المتطرف «إيال زامير»؛ فالمناورات عند الحدود الأردنية وعسكرة الضفة الغربية بنشر 26 كتيبة عسكرية في مختلف أنحائها وعزل المدن الفلسطينية الرئيسية في شمال ووسط الضفة الغربية بالحواجز والعمليات العدوانية المستمرة يهدف إلى تفتيتها لكانتونات ومعازل سكانية منفصلة محاطة بكتل استيطانية كبرى ومناطق عسكرية مغلقة، وإحباط أي خطوط إمداد أو انتفاضة جديدة قد تندلع بالتزامن مع التصعيد الإقليمي.
إلا أنها تعني، في الأساس، أن الكيان الصهيوني يضع في حساباته الاستراتيجية احتمال حدوث تدفق بشري أو اضطراب ديموغرافي، بما يستلزم إغلاق التخوم لمنع تمدد الصراع، وربما يساعد لاحقاً في فرض السيادة الكاملة على غور الأردن وبقية أنحاء الضفة الغربية، حيث قد يوفر أي تصعيد إقليمي واسع الغطاء السياسي والميداني المناسب لتنفيذ عمليات «الترانسفير» تحت ذريعة الضرورات الأمنية.
ولغور الأردن أهميته الاستراتيجية للكيان الصهيوني بوصفه المفصل الرئيس في خطة «الضم» وسلة غذاء فلسطين الخصبة ويمثل نحو 30 % من المساحة الإجمالية للضفة الغربية فيما يقع 90 % منه ضمن المنطقة «ج» الخاضعة لهيمنته الكاملة. وبذلك؛ لم تأتِ المناورات الأخيرة في وادي عربة وعند الحدود الأردنية من فراغ، بل ضمن مخطط لتثبيت السيطرة على التخوم الشرقية، حيث يرى اليمين المتطرف أن «الضم» لا يتحقق دون السطوة الأمنية النافذة على طول نهر الأردن لإحباط إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ومنع أي تواصل ديموغرافي أو جغرافي فلسطيني مع العمق العربي.
ولنتنياهو مآربه الشخصية الانتخابية أيضاً؛ فهو يجد في الملف الأمني طوق نجاة أمام صعود منافسه المتطرف «آيزنكوت» في استطلاعات الرأي حتى الآن. ولذا؛ يسعى لتغيير الأجندة الانتخابية بنقل النقاش الداخلي من قضايا الفشل في 7 أكتوبر والأزمة الاقتصادية وقانون تجنيد «الحريديم» إلى تساؤل حول الأقدر على حماية الكيان المُحتل في مواجهة التهديدات الإقليمية؟، مع تسويق الأعمال العدائية الهمجية ضد جنوب لبنان وقطاع غزة بوصفها إنجازاته الأمنية الدالة على نجاعة رؤيته، سعياً منه لاختلاق نصرٍ زائف وسط متوالية الإخفاقات طيلة الأعوام السابقة.
ولكنه أيضاً يسعى لاسترضاء اليمين المتطرف، وإبقاء الداخل المُحتل تحت تأثير الخوف الدائم من هجوم مُباغت، بما قد يُقوض في نظره من قاعدة المعارضة الشعبية ويحد من قدرتها على تقديم برامج مدنية واقتصادية منافسة.
إن التصعيد الهمجي في الضفة الغربية والمناورات العسكرية عند الحدود الأردنية هما نتاج الأيديولوجية اليمينية المتطرفة التي ترى في تهجير الفلسطينيين هدفاً صهيونياً استراتيجياً لا يلغيه فشل الاحتلال في تنفيذه حيناً؛ فالتهجير ركيزة أساسية في المشروع الصهيوني الاستعماري التوسعي وعماد حركته الاستيطانية وأحد أبرز مقومات استمراريته.







