خطأ إيراني فادح قد يورط المنطقة بأكملها
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات الإقليمية الأستاذ الدكتور نبيل العتوم إن إعلان إيران منطقة بحرية محظورة في الخليج العربي، دون نشر إحداثيات واضحة أو قواعد تفصيلية للتعامل معها، يعكس محاولة من طهران لنقل المواجهة من نطاقها الضيق داخل مضيق هرمز إلى مساحة بحرية أوسع، بالتزامن مع تصاعد الضغوط النووية والدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن إعلان المنطقة المحظورة يوحي برغبة إيران في إنشاء ما يمكن وصفه بـ"حزام ردع بحري" يبدأ من نطاق الضغط الأميركي ويمتد إلى أجزاء من الخليج العربي، بهدف تحويل الضغط البحري الأميركي إلى حالة احتكاك مستمرة، بدلًا من إبقاء الأزمة محصورة في مضيق هرمز.
وبيّن العتوم أن إعلان إيران أن أي سفينة تدخل المنطقة المقترحة ستواجه إجراءات إيرانية من شأنه أن يرفع مخاطر المواجهة البحرية المباشرة، موضحًا أن الهدف الإيراني لا يتمثل بالضرورة في إغلاق الخليج بصورة كاملة، وإنما في رفع كلفة الوجود الأميركي وحركة شركات الشحن والتأمين في المنطقة.
ولفت إلى أن أي اعتراض أو احتجاز لسفينة داخل المنطقة المعلنة قد يتحول سريعًا إلى مواجهة مباشرة مع القوات البحرية الأميركية، خصوصًا إذا اعتبرت واشنطن الخطوة الإيرانية انتهاكًا لحرية الملاحة الدولية.
ونوّه العتوم إلى أن دول الخليج ستتعامل مع الخطوة الإيرانية بقلق، لأنها لا ترغب في تحول مياه الخليج إلى مناطق نفوذ عسكري متنافسة، مرجحًا أن تدفع باتجاه ترتيبات جماعية تضمن حرية الملاحة، بدلًا من قبول ترتيبات إيرانية أحادية الجانب.
وذكر أن الموقف الأميركي يمكن أن يتحرك عبر عدة مسارات، تبدأ برفض الاعتراف بالمنطقة المحظورة، باعتبار أن إيران لا تملك حق فرض سيطرة أحادية على ممرات الملاحة الدولية، مرورًا باعتبار الخطوة محاولة لتوسيع نطاق الضغط الإيراني خارج مضيق هرمز، وصولًا إلى تعزيز حماية الملاحة ومرافقة السفن عسكريًا.
وأضاف العتوم أن استمرار التصعيد قد يدفع المنطقة إلى مرحلة من "سياسة حافة الهاوية"، محذرًا من أن استخدام إيران للمنطقة لاستهداف مزيد من السفن قد يقابله رد أميركي بعمليات عسكرية أوسع، قد لا تقتصر على القدرات الساحلية، وإنما تشمل الرادارات والصواريخ الساحلية والألغام البحرية والزوارق الهجومية، مع بقاء خطر الاحتكاك المباشر بين القوات الإيرانية والأميركية هو السيناريو الأكثر خطورة.
وفيما يتعلق بإعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، قال إن المعطيات الميدانية لا تشير إلى إغلاق كامل للمضيق، مستطردًا أن استمرار عبور السفن، وإن بوتيرة محدودة، عبر بعض المسارات.
ونوّه العتوم إلى أن ما تسعى إليه طهران في الوقت الراهن هو رفع كلفة المخاطر على حركة الملاحة، وإيصال رسالة إلى الداخل الإيراني بأنها لا تزال تمتلك أوراقًا للردع والضغط على الولايات المتحدة ودول المنطقة، من خلال قدراتها غير المتماثلة، كالألغام والصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة.
وأضاف أن إيران تمتلك بالفعل القدرة على إلحاق الضرر بحركة الملاحة، لكنها لا تملك، وفق تقديره، القدرة على فرض إغلاق كامل ومستدام للمضيق، موضحًا أن الرهان الأساسي لطهران يتمثل في جعل المرور عبر هرمز أكثر خطورة وكلفة.
وأشار العتوم إلى أن الولايات المتحدة باتت تنتهج استراتيجية أكثر اتساعًا في مواجهة إيران، بعد أن كان الضغط يتركز بصورة أساسية على خنق الاقتصاد وتشديد القيود على النفط والموانئ والأموال والتجارة الخارجية، بهدف تقليص قدرة النظام الإيراني على تمويل الحرب وإعادة بناء قدراته العسكرية.
وقال إن الضربات العسكرية الأخيرة لا تستهدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية فحسب، وإنما تهدف كذلك إلى تقليص قدرة طهران على إيذاء الملاحة في مضيق هرمز، وإقناع النظام الإيراني بأن استمرار هذه الاستراتيجية سيؤدي إلى خسارة المزيد من أدوات القوة والردع، مشيرًا إلى أن التحدي الأساسي يكمن في مدى استيعاب القيادة الإيرانية لهذه الرسالة.
وعن جزيرة خارك، قال العتوم إن تحولها إلى هدف عسكري محتمل يمثل فرضية واردة، مشيرًا إلى أن أي استهداف أميركي مباشر للجزيرة أو لمنشآتها الحيوية سيمثل تصعيدًا نوعيًا غير مسبوق، لأنه سينقل المواجهة من استهداف القدرات العسكرية إلى ضرب أحد أهم شرايين الاقتصاد الإيراني.
وأضاف أن أهمية خارك تنبع من كونها ممرًا رئيسيًا لصادرات النفط الإيراني، وبالتالي فإن استهدافها سيطال أحد أهم مصادر العملة الصعبة في إيران، وسيضع القدرات الاقتصادية في صلب بنك الأهداف، بما يفتح الباب أمام معادلة جديدة تقوم على الردع الاقتصادي إلى جانب الضغط العسكري.
وحذر العتوم من أن استهداف هذه المنشآت سيضع إيران أمام خيارات أكثر ضيقًا، وقد يدفعها إلى الاختيار بين الدخول في مسار تفاوضي بشروط أكثر صرامة، أو مواجهة مزيد من التآكل الاقتصادي والعسكري.
وأشار إلى أن تصعيد الضغط الاقتصادي قد يفاقم كذلك الضغوط الداخلية على النظام الإيراني، في ظل الاحتجاجات وارتفاع أسعار الوقود والنفط، مستذكرًا احتجاجات الوقود التي شهدتها إيران عام 2019، والتي أظهرت حجم تأثير الأوضاع الاقتصادية في الاستقرار الداخلي.
ونوّه العتوم إلى أن استخدام إيران لمضيق هرمز كورقة ضغط قد ينقلب عليها استراتيجيًا، إذ سيدفع دول مجلس التعاون الخليجي بصورة أسرع إلى تطوير طرق وخطوط بديلة تتجاوز المضيق، ما قد يؤدي تدريجيًا إلى تراجع قيمة إحدى أهم أوراق إيران الجيوسياسية.
وأضاف أن الولايات المتحدة تسعى إلى كسر المعادلة التي تقوم على قدرة إيران على تحويل مضيق هرمز إلى أداة ابتزاز دائمة، مع الحفاظ، قدر الإمكان، على حركة الطاقة والتجارة عبر استمرار مرور السفن.
وأشار إلى أن هدف طهران يتجاوز مسألة الملاحة ذاتها، إذ تسعى إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ سياسي وقانوني دائم، من خلال تثبيت مبدأ أمني في مضيق هرمز يجعل أي ترتيبات مستقبلية للملاحة مرتبطة بموافقتها وإشرافها.







