العثامنة يكتب: الحكومة التي تحتاج إلى عداد مختلف
مالك العثامنة
بعد عامين من عمر الحكومة، ليس غريبا أن تعرض ما أنجزته، بل هذا مطلوب، لأن أي حكومة تحتاج إلى أن تقول للناس ماذا فعلت، وأين صرفت وقتها ومالها وجهدها.
لكن المشكلة أن الحكومات، في العادة، تقيس نفسها بطريقة تختلف عن الطريقة التي يقيسها بها الناس.
فالحكومة ترى مشروعا تم إنجازه، أوخدمة أصبحت رقمية، أوطريقا افتتح، ومدرسة بنيت، وربما مركزا صحيا، لكن المواطن لا يرى الأشياء بهذه الطريقة تماما، هو يسأل، ببساطة أكبر: هل أصبحت حياتي أسهل؟
وهنا أظن أن الحكومة تحتاج إلى عداد مختلف، ليس عدادا يلغي الأرقام التي تستخدمها الآن، بل واحدا يترجمها إلى حياة يومية، يشرح له كم ساعة وفرت الدولة على مواطن كان يراجع دائرة حكومية؟ وكم يوما اختصرت معاملة كانت تستغرق شهرا؟ وكم أصبح الوصول إلى الطبيب أسرع؟ وكم أسرة شعرت فعليا أن خدمة عامة ما تحسنت؟
فالإنجاز، في النهاية، ليس ما يحدث داخل المؤسسة وحدها، بل ما يصل أثره إلى خارجها.
يمكن مثلا أن تكون رقمنة آلاف الخدمات إنجازا حقيقيا، لكن الرقم وحده لا يخبرنا إن كان المواطن أنهى معاملته بسهولة، أم انتقل فقط من طابور أمام الشباك إلى طابور إلكتروني على الهاتف.
ويمكن بناء مدرسة جديدة، لكن السؤال يبقى عما يحدث داخلها، كما يمكن افتتاح مركز صحي، لكن المريض لا يقيس المركز باليافطة على بابه، بل بالموعد والطبيب والدواء، حتى الطريق الجديد لا يهم الناس لأنه طريق جديد، بل لأنه أوصلهم أسرع وأوفر وأقل توترا.
هذا الفرق مهم جدا، لأننا في الأردن نعاني منذ سنوات فجوة غريبة بين ما تعلنه الحكومات وما يشعر به الناس، وليس ضروريا أن يكون أحد الطرفين يخفي الحقائق، قد تكون الأرقام صحيحة تماما، وقد يكون شعور المواطن صحيحا تماما أيضا.
المشكلة فقط أن كل طرف يستخدم عدادا مختلفا.
ولهذا فإن الانتقال الحقيقي في العمل الحكومي لا يكون فقط من الخطة إلى التنفيذ، بل من التنفيذ إلى الأثر، ومن سؤال: ماذا أنجزنا؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: ماذا تغير؟
وهذا السؤال لا يقلل من قيمة العمل الحكومي، بل يعطيه معنى أكبر، لأنه يربط المشروع بسبب وجوده أصلا.
الحكومات تستطيع أن تربح النقاش بالأرقام لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تربح الثقة بها وحدها.
الثقة تبدأ حين يرى المواطن الرقم في حياته.
ولهذا، ربما لا تحتاج الحكومة اليوم إلى قائمة أطول من الإنجازات، بقدر ما تحتاج إلى عداد يعرف الناس كيف يقرأونه.







