اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدعجة يكتب: خطوة تاريخية تحتاج إلى قوة التنفيذ

{title}
أخبار الأردن -

 

حسن الدعجة


يمثل إعلان وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند عن حزمة إجراءات تستهدف المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية تحولا مهما في السياسة البريطانية تجاه القضية الفلسطينية.
 

فللمرة الأولى تصدر عن حكومة بريطانية معاصرة لغة بهذه الصراحة والقوة في إدانة الاستيطان وعنف المستوطنين ودور الحكومة والجيش الإسرائيلي في خلق واقع قسري يهدد الوجود الفلسطيني ويقضي تدريجيا على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
تكمن أهمية الخطاب في تجاوزه بيانات القلق والإدانة التقليدية إلى طرح أدوات ضغط اقتصادية وقانونية، تشمل حظر بضائع المستوطنات، وتقييد الخدمات المالية والعقارية والإنشائية المرتبطة بها، وفرض عقوبات على الأشخاص والشركات الداعمة للاستيطان، ورفض تراخيص الصادرات العسكرية التي تسهم في تكريس الاحتلال. ويعكس ذلك إدراكا بريطانيا بأن حماية الحقوق الفلسطينية والقانون الدولي تتطلب فرض تكلفة فعلية على الجهات المستفيدة من الاحتلال. كما جاء الموقف ضمن تحرك مشترك مع فرنسا وكندا ودول أوروبية لحماية حل الدولتين ومواجهة التهجير وضم الأراضي.
وأكد البيان الوزاري المشترك الصادر في 8 أيلول/سبتمبر 2026 أن اثنتي عشرة دولة تعتزم فرض قيود وطنية أو دعم إجراءات أوروبية ضد تجارة المستوطنات، بما يؤسس لجبهة دولية أكثر تماسكا وتأثيرا في السياسات الإسرائيلية.
ومن أبرز إيجابيات كلمة ميليباند أنها أعادت تحديد جوهر الخلاف، باعتباره خلافا مع سياسات الحكومة الإسرائيلية وليس مع الشعب الإسرائيلي أو حقوقه المشروعة. وهذا التمييز ضروري لإسقاط محاولات الخلط بين انتقاد الاحتلال ومعاداة السامية، ولتأكيد أن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لا يتعارض مع ضمان الأمن والسلام للشعبين.
كما أن تبني بريطانيا للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية يمنح التحول الجديد أساسا قانونيا واضحا، فلا تعود المستوطنات مجرد عقبة سياسية أمام السلام، بل تصبح منظومة غير قانونية لا يجوز للدول دعمها أو الاعتراف بالواقع الناشئ عنها.
وكانت المحكمة قد خلصت إلى أن المستوطنات ونظامها المصاحب يخالفان القانون الدولي، وأن السياسات الإسرائيلية تخلق آثارا لا رجعة فيها وتفضي إلى ضم أجزاء واسعة من الأرض المحتلة.
ويكتسب التحذير البريطاني من مشروع «E1» أهمية استثنائية؛ لأن تنفيذه سيقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها ويفصلها عن القدس الشرقية، بما يحول الدولة الفلسطينية المنتظرة إلى جزر سكانية معزولة. وقد وصف ميليباند طرح عطاءات المشروع بأنه عمل «غير مقبول ومدمر»، وطالب بإلغائه ووقف التوسع الاستيطاني كله.
لكن أهمية الخطاب، مهما بلغت جرأته، ستظل محدودة إذا لم تتحول كلماته إلى إجراءات فورية وملزمة. فالحظر التجاري الذي يحتاج إلى أشهر حتى يدخل حيز التنفيذ قد يسمح بتغيير أسماء الشركات أو تمرير المنتجات عبر وسطاء. لذلك يتعين على لندن إنشاء آلية رقابة جمركية ومالية تتابع سلاسل التوريد والملكية الحقيقية للشركات، وتفرض عقوبات على كل جهة تتحايل على الحظر، مع نشر قاعدة بيانات دورية للمؤسسات المتورطة في تمويل الاستيطان أو تسويقه.
والمطلوب ثانيا أن تقود بريطانيا تحركا أوروبيا جماعيا لتوحيد الموقف، بحيث لا تستفيد منتجات المستوطنات وخدماتها من اختلاف السياسات بين الدول.
ويمكن للندن، رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي، أن تؤسس مجموعة تنسيق مع فرنسا وإسبانيا وإيرلندا وبلجيكا وهولندا والدول الإسكندنافية، هدفها فرض حظر شامل ومتزامن، وتجميد أصول الجهات الداعمة للاستيطان، ومنع دخول المستوطنين المتورطين في العنف والمسؤولين الإسرائيليين المحرضين عليه.
أما في غزة، فلا بد أن يرتبط الموقف البريطاني بخطوات توقف القتل الجماعي والتجويع والتهجير. وهذا يتطلب الضغط من أجل وقف دائم لإطلاق النار، وفتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية من دون قيود، ورفض استخدام الغذاء والدواء وسيلة للحرب، ودعم وجود آلية دولية تضمن وصول المساعدات مباشرة إلى المدنيين.
كما ينبغي تعليق جميع صادرات الأسلحة والمكونات التي يمكن استخدامها في ارتكاب انتهاكات، لا الاكتفاء بتقييد جزئي لبعض التراخيص.
ويتطلب جعل حل الدولتين حقيقيا حماية السلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية وتقويتها سياسيا واقتصاديا، وإلزام إسرائيل بالإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة، ووقف اقتحامات المدن وتقويض المؤسسات الفلسطينية. وقد سبق للمجلس الأوروبي أن دعا إلى دعم السلطة وضمان عودتها إلى غزة والإفراج عن عائداتها المحتجزة. وينبغي أن يترافق ذلك مع دعم الإصلاح الفلسطيني وإعادة توحيد الضفة وغزة تحت إدارة وطنية واحدة.
ويجب أن تقترح بريطانيا مؤتمرا دوليا محدد الجدول الزمني، ينتهي خلال مدة معلومة بإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع ضمانات أمنية متبادلة وآليات دولية للتنفيذ. فحل الدولتين لا يمكن أن يبقى شعارا مفتوحا إلى ما لا نهاية بينما تُلتهم أرض الدولة الفلسطينية يوميا.
إن الموقف البريطاني الجديد يمثل انتصارا مهما للقانون الدولي وحقوق الإنسان، ويمكن النظر إليه بوصفه تصحيحا تاريخيا واعتذارا أخلاقيا وسياسيا ضمنيا عن وعد بلفور وما ترتب عليه من معاناة وتشريد للشعب الفلسطيني، وإن لم يكن اعتذارا رسميا بعد.
غير أن تصحيح التاريخ لا يتم بالكلمات وحدها؛ بل بمنع التطهير العرقي، ووقف القتل والتجويع، ومحاسبة المعتدين، وحماية الشعب الفلسطيني، وتحويل الاعتراف بدولته من موقف دبلوماسي إلى سيادة حقيقية على الأرض. عندها فقط تكون بريطانيا قد انتقلت من إرث المشكلة إلى موقع الشريك الفعلي في صناعة الحل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية