خريسات يكتب: ثقافة الحوكمة في أداء المجالس كلها (2 - 2)
رامي خريسات
ذكرنا في المقال السابق ضرورة عدم اعتبار اجتماع المجلس مناسبة دورية تستعرض فيها الإدارة التنفيذية ما أنجزته خلال الفترة الماضية، ثم يطرح أعضاء المجلس بعض الأسئلة، وينتهي الاجتماع.
وبينا أن هذا اللقاء ليس مجرد جلسة استماع، بل هو لاتخاذ القرارات الإستراتيجية وممارسة الرقابة والتحدي البنّاء للإدارة التنفيذية؛ فكلما زاد الوقت الذي يُستهلك في الاستماع إلى العروض، قلت المساحة المتاحة أمام المجلس للنقاش الحقيقي واتخاذ القرارات.
وأضيف أن ما يحدث غالباً أن الرئيس التنفيذي يقدم عرضه، ثم المدير المالي، ثم مدير العمليات، ثم الموارد البشرية، ثم تكنولوجيا المعلومات، ثم المخاطر، ثم التدقيق الداخلي، وفي النهاية يكتشف أعضاء المجلس أن معظم وقت الاجتماع قد انتهى قبل الوصول إلى البنود التي تتطلب فعلاً نقاشاً وقراراً من المجلس. والحل يكون بتخصيص الجزء الأول والأكبر( 80 % من وقت الاجتماع) بالكامل للقرارات الإستراتيجية والأعضاء في قمة تركيزهم الذهني ونشاطهم، مع جعل التقارير التشغيلية في الجزء الأخير من الاجتماع.
ويجب أن يشعر كل عضو بأن لديه مساحة للتعبير، وأن الاختلاف في الرأي ليس مشكلة، بل جزء من الحوكمة السليمة، ومن أفضل ممارسات الحوكمة أن يخصص المجلس بصورة دورية جزءاً من اجتماعه لجلسة مغلقة بحضور أعضاء المجلس فقط، من دون الرئيس التنفيذي أو بقية الإدارة التنفيذية.
هذا يتيح للأعضاء مناقشة أداء الرئيس التنفيذي، والمخاطر، وجودة المعلومات التي تصل إلى المجلس، والعلاقة بين المجلس والإدارة، ووجود هذه المساحة لا يعني عدم الثقة بالإدارة، بل يمثل أداة حوكمة ضرورية لحماية استقلالية المجلس. ويبقى رئيس المجلس قائداً وليس مجرد منظم للكلام، عليه أن يوقف النقاش عندما لا يضيف قيمة، ويصحح المسيرة عودة إلى السؤال الاصلي، وأن يمنع اي عضو او مدير تنفيذي من احتكار الحوار.
المجلس الكفء لا ينتظر نهاية السنة ليكتشف أن اجتماعاته غير فعالة، بل يمكن في نهاية كل اجتماع طرح ثلاثة أسئلة بسيطة: هل ناقشنا أهم الموضوعات؟ هل قضينا وقتنا في الأمور التي تضيف قيمة؟ هل خرجنا بقرارات واضحة ومسؤوليات محددة؟ ويمكن تصنيف جدول الأعمال سلفًا إلى بنود تتطلب اتخاذ قرار (Decision)، وموضوعات تحتاج تبادل آراء وتوجيهًا استراتيجيًا، وتكون للنقاش فقط (Discussion)، وتقارير مخصصة للعلم فقط (Information) دون استهلاك وقت الاجتماع.
ويمكن استخدام تقييم مختصر وسريع من أعضاء المجلس بعد كل اجتماع، فالمجلس لا ينبغي أن يكون مكاناً يجلس فيه الأعضاء لسماع ما فعلته الإدارة خلال الشهر أو الربع السابق، بل يجب أن يكون ورشة عمل من خلال إرسال المعلومات قبل الاجتماع، ومناقشتها بذكاء وباستقلالية وبحيادية بعيداً عن نفوذ الرئيس، حيث معظم المجالس الكفؤة هي من لا تتردد في قول « «لا» للرئيس إذا استوجب الأمر، وهي التي تعطي الأعضاء المستقلين مساحة لقيادة النقاشات في القضايا الحساسة لأنهم الأقل عرضة لتضارب المصالح أو الضغوط.
من جانب آخر يجب تخصيص معظم وقت المجلس لما لا تستطيع الإدارة أن تقرره وحدها. ولا ننسى أن الاجتماع الفعال للمجلس لا يبدأ عند دخول الأعضاء قاعة الاجتماع، بل يبدأ قبل ذلك بأيام، فكلما كان التحضير أفضل، أصبح الاجتماع أقصر وأكثر تركيزاً، وتحول وقت المجلس من الاستماع إلى الإدارة إلى التفكير واتخاذ القرار.
ويبدأ الاجتماع الناجح بسؤال جوهري يوجهه الرئيس: «ما هي الأمور الحرجة التي اكتشفتموها أثناء قراءتكم؟»، مما يعزز ثقافة المساءلة ويقتل ظاهرة «الحضور بالأجساد فقط». وينتهي الاجتماع المثالي بـ5 دقائق تقييمية في نهاية كل اجتماع، حيث يسأل الرئيس: «هل كانت مواد التحضير كافية؟ وهل استخدمنا وقتنا بأقصى استفادة؟»، هذا كله يضمن التحسين المستمر.







