أبو زينة يكتب: خطوة "المستوطنات" البريطانية قصيرة جدا.. ومتأخرة كثيرا..!
علاء الدين أبو زينة
بالتنسيق مع فرنسا وكندا، أعلنت لندن هذا الأسبوع حظرًا على استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية المحتلة، ومنع الإعلان عن عقاراتها في بريطانيا، وتوسيع نظام العقوبات ليشمل أشخاصًا وكيانات تساهم في الاستيطان وتطويره. وقال وزير الخارجية، إد ميليباند، أن بريطانيا لم تعد تستطيع الاكتفاء “بالإشارة إلى الظلم والمعاناة”، وأن عليها أن تتحرك في مواجهة توسع المستوطنات الذي يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية.
وجاء القرار في سياق تحوّل أوسع؛ فقد أعلنت بريطانيا بوضوح للمرة الأولى أن احتلال الضفة الغربية نفسه غير قانوني، بينما انضمت إليها فرنسا وكندا ودول أخرى في اعتماد إجراءات تستهدف اقتصاد المستوطنات. وفي الرد على هذه الخطوات، أعلن الكيان إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وإنهاء مشاركة بريطانيا في مهمة التنسيق الأميركية الخاصة بغزة، ووقف مهمة تدريب أمني بريطاني للفلسطينيين، وفرض قيود على دخول عدد من البريطانيين.
ربما يرى كثيرون في هذا التحرك البريطاني شيئًا كبيرًا وبالغ الأهمية –وهو مهمّ ببعض الطرق. لكن الفلسطينيين لا يستطيعون سوى اعتباره عملًا صغيرًا جدًا -ومتأخرًا كثيرًا، وتعني قراءته في معزل عن صلة بريطانيا التاريخية بالمأساة الفلسطينية قطعه عن سياقه الأخلاقي والسياسي.
كانت بريطانيا هي القوة الاستعمارية التي فتحت الجرح الفلسطيني النازف الذي لم يلتئم أبدًا منذ إصدارها “وعد بلفور” في العام 1917. وبعده أدارت بريطانيا انتدابها في فلسطين بحيث تهيئ الشروط السياسية والمؤسسية لنمو المشروع الصهيوني، بينما يضمن إبقاء الفلسطينيين -أصحاب الأرض الأصليين التاريخيين- خارج معادلة تقرير المصير التي وضعتها لمستقبل وطنهم التاريخي. (حتى أن الخطاب البريطاني الرسمي المعاصر يقر بـ”مسؤولية خاصة” تتحملها بريطانيا عن تاريخها مع فلسطين.
ولم ينتهِ هذا التاريخ الدموي بانتهاء الانتداب. كانت بريطانيا منذ قيام الكيان الصهيوني جزءًا أصيلًا من المنظومة الغربية التي وفّرت له الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي، ومكّنته من الترسخ والتوسع وممارسة جرائم القتل والسرقة والتطهير العرقي. وحتى بينما ينفذ إبادة جماعية صريحة في غزة، واصلت بريطانيا تسليحه -قبل أن تعلّق بعض تراخيص التصدير في أيلول (سبتمبر) 2024، وتبقي على أخرى من بينها تلك المرتبطة ببرنامج طائرة “إف-35” المستخدمة في القصف. وحتى شباط (فبراير) 2026، كانت 395 رخصة تصدير ما تزال سارية -منها 203 رخص عسكرية، بحسب بيانات الحكومة البريطانية نفسها.
مع صعوبة اعتبار التحرك الأخير تصحيحًا كافيًا لمسار تاريخي طويل من إيذاء الفلسطينيين، يمكن التحدث عن فضيلة ممكنة فيه: أنه ينقل التعامل مع الاستيطان -ولو جزئيًا- من منطقة الإدانات اللفظية إلى منطقة الفعل وترتيب بعض العواقب. وكما حدث، أقرت الحكومات الغربية لعقود بعدم شرعية المستوطنات، بينما كانت المستوطنات تتوسع، وتتصل اقتصاديًا بالكيان، وتترسخ كأداة للاحتلال والضم بلا أي كلفة عملية يمكن الحديث عنها.
لكنّ ثمة ريحًا خبيثة تخرج من تعمُّد البريطانيين -وشركائهم- التأكيد على فصل المستوطنات عن الكيان نفسه باعتباره ليس مستهدفًا. ويبدو القرار حريصًا على إظهار أن المستوطنات هي المذنبة بينما الكيان طاهر الذيل. وفي ذلك من التناقض والادعاء والاعتداء على المنطق وعدم صفاء النية ما يكفي.
إن فصل المستوطنات عن الكيان الذي أنشأها وحماها ودمجها دائمًا في بنيته السياسية والاقتصادية والأمنية هو إجراء تعسفي بوضوح. فهو يعامل المستوطنات كمشروعات مستقلة نشأت خارج “الدولة” بينما هي في الواقع ذراع الدولة التوسعي والتجلي الطبيعي لعقيدتها الأيديولوجية والسياسية. ولا يستطيع أحد ادعاء الجهل بأن حكومات الكيان المتعاقبة وفرت للمستوطنات التمويل والتخطيط والبنية التحتية، وربطتها بشبكة الاقتصاد وبالشخصية الجمعية لمجتمع المستعمِرين. وفي الحقيقة، لا يَجبُن الكيان عن تأكيد صلتها العضوية بتكوينه ومطالبة الآخرين بملاحظة هذه الصلة.
في تصريحاته التي أعقبت إعلان القرار البريطاني، قال وزير خارجية الكيان، جدعون ساعر، يوم الثلاثاء: “الخطوة البريطانية مشوهة أخلاقيًا وتشكل تدخلًا فاضحًا في شؤون دولة ذات سيادة. إن للشعب اليهودي حق في العيش في جميع أنحاء أرض إسرائيل لا يقل عن حق البريطانيين في بريطانيا أو الفرنسيين في فرنسا. إن ارتباط الشعب اليهودي بهذه الأرض وحقه فيها موثقان على نطاق أوسع من أي شعب آخر في التاريخ الإنساني”.
واستحضر ساعر صلة “بلفور” (التي لا ينساها الفلسطينيون، كما ذكرتُ) فوصف خطوة حكومة حزب العمال بأنها “عبثية بصورة خاصة”، لأن “وعد بلفور” اعترف رسميًا، قبل أكثر من 100 عام، بالحق التاريخي للشعب اليهودي في إقامة وطنه في “أرض إسرائيل”، بما فيها “يهودا والسامرة” -كما قال.
من الواضح أن حظر منتجات المستوطنات أو تقييد التعامل الاقتصادي معها لا يكاد يمس البنية الكُلية التي تجعل الاستيطان ممكنًا ومستدامًا في المقام الأول. وحين تؤكد بريطانيا على استمرار الروابط مع الكيان الذي يدير مشروع الاستيطان ويحميه، فإن عزل المنتجات الاستيطانية وحدها يرسم حدودًا ضيقة للمسؤولية تعفي البنية الأساسية التي تنتج الاستيطان وتضمن استمراره من المساءلة. وسوف يفقد الاعتراف بعدم قانونية الاحتلال والاستيطان كثيرًا من معناه العملي عندما لا تترتب عليه عواقب تطال نفس المنظومة التي تديم الأمرين.
إذا كانت المستوطنات مشروعًا للدولة، وإذا كانت الدولة تستخدم مؤسساتها وقوتها ومواردها وعلاقاتها الدولية لترسيخه، فإن معاقبة منتجات المستوطنات تتعامل مع جزء من مظاهر المشكلة فحسب، وتتجنب بوضوح الاشتباك مع جوهرها العميق. ولو كان ثمة اعتبار لأي منطق أخلاقي -وقانوني- يحكم الموقف، لامتدت المساءلة لتشمل كل ما ومَن يساهم بصورة مباشرة في ترسيخ الاحتلال والاستيطان بدلًا من الفصل التعسفي بين المستوطنة والكيان السياسي الذي جعلها ممكنة.
في الحقيقة، ليس ثمة قيمة يمكن أن ينطوي عليها القرار البريطاني إذا ما قيست القيمة بحجم السلع التي ستُمنع من دخول بريطانيا -وهي محدودة. وإذا كان ثمة قيمة، فإنها تتعلق بما إذا كان الإجراء سيؤسس لمبدأ جديد: أن الاعتراف بعدم قانونية الاستيطان ينبغي أن يُرتِّب كلفة عملية ومادية محسوسة على الجهات التي تمول الاستيطان، وتبنيه، وتؤمنه وتسوّقه بدلًا من الاكتفاء بالإدانة والخطابية. (يمكن على هذا الأساس إقامة القضية لمحاسبة بريطانيا -وشركائها- على دعم وتسليح وتمويل الكيان كله -صاحب المستوطنات المصرّ على المطالبة بمراعاة صلتها العضوية به).
بالنسبة للفلسطينيين الذين لا تطربهم الأقوال، والمدربون بالخبرة على استحضار السياقات واكتشاف السم في الدسم، لا شيء في الخطوة البريطانية يدعو حقًا إلى الاحتفال. في السياق: أكثر من قرن من النكبات منذ “وعد بلفور”؛ وعقود من الاستعمار الإبادي والاستيطان الإحلالي؛ وتاريخ من المجازر -التي ما تزال آخرها جارية تحت أنظار بريطانيا وكل الآخرين- ستكون الخطوة البريطانية أقل كثيرًا مما تقتضيه المسؤولية، وأبعد كثيرًا عما يستحقه الضحايا –ومتأخرة كثيرًا.. أكثر بكثير مما ينبغي.







