اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

كراجة يكتب: مرفوضة ولو كانت على سطح مبنى المقاطعة

{title}
أخبار الأردن -

 

سائد كراجة


لو رضي الفلسطينيون بدولة على سطح مبنى المقاطعة في رام الله، لرفضتها الصهيونية. 
فالخلاف ليس على المساحة؛ المرفوض هو السيادة. إسرائيل تريد الأرض ولا تريد أهلها. والمستوطنة ليست سبب المشكلة، بل نتيجة قرار بالضمّ سبقها.
 

ورفض الدولة الفلسطينية ليس موقفاً طارئاً. وضع جابوتنسكي المعادلة سنة 1923: اضربوهم ببطش يفقدهم الأمل في المقاومة. وفي نشيد أتباعه: «هذه الضفة لنا، والثانية أيضاً». ثم صار الرفض سياسة معلنة. حصر الليكود سنة 1977 السيادة بين البحر والنهر بإسرائيل وحدها، ورفض الكنيست سنة 2024 الدولة الفلسطينية بوصفها تهديداً وجودياً، بأغلبية تجاوزت مقاعد اليمين. حتى رابين، أشجعهم، لم يعرض أكثر من كيان أقل من دولة، فقتله يهودي متدين. تتبدل الحكومات منذ قرن، والموقف واحد.
والفلسطيني اليوم أمام انسداد سياسي عميق: جُرّد حتى من حقه في التفاوض، فصار المعروض عليه أن يموت أو يرحل؛ والانتظار كلمة مهذبة للعجز؛ والحسم العسكري مستحيل في ظل العجز العربي. فلم يبقَ إلا خيار الحقوق: أن يصير مواطناً في وطنه التاريخي كله، فلا يتنازل عن شبر منه، في دولة يتساوى فيها الجميع. إنه خيار الدولة الواحدة.
هذا الخيار ليس جديداً. قال به إدوارد سعيد وأحمد قريع وصائب عريقات، ويري بورغ، رئيس الكنيست الأسبق، أن النقاش داخل إسرائيل صار حول شكل الدولة الواحدة لا عدد الدول. وقبلهم تمسكت به منظمة التحرير؛ ففي 1969 تبنّى المجلس الوطني هدف مجتمع ديمقراطي لجميع أهل فلسطين، مسلمين ومسيحيين ويهوداً. ثم تراجعت عنه المنظمة بوهم السلام حتى وصلنا أوسلو، لا من تجاوب الخصم، بل من هزيمة وضعف عربي.
المطالبة بحق التصويت في الدولة الواحدة مفتاح هذا الخيار، وهي تنسجم مع الواقع: المعابر والأجواء والمياه والسجون بيد إسرائيل منذ 1967، فهي تحكم شعباً لا يشارك في اختيار من يحكمه. وهذا يضعها بين خيارين: أن تُدخل المحكومين إلى صندوق الاقتراع، أو تقرّ بأنها تحكمهم بلا حقوق. وهذه المطالبة بالحقوق في أوانها؛ فاليمين يفتح جبهة التهجير علناً، بدعوات إلى «هجرة طوعية» من غزة وضغط تهجيري متصاعد في الضفة. فمن كان على هذه الأرض فهو في وطنه، ولا وطن بديل له.
وسيقال: هذا الطرح تصفية لإسرائيل بواسطة صندوق الانتخاب، فالعرب أكثر عدداً في فلسطين التاريخية. والعدد اليوم متقارب لا حاسم، ثم إن هذا الاعتراض يفترض أن يصوّت العرب كتلة واحدة، وهم داخل الكنيست في الوقت الحالي أحزاب متنافسة لا كتلة واحدة. وفي دولة المواطنة يصير السباق سباق برامج، لا سباق أعراق. ثم إن الدولة الواحدة مطلبهم أيضاً، بشرط أن يبقى الفلسطيني بلا صوت؛ فسفير ترامب طرح سيادة كاملة وفلسطينيين مقيمين بلا حق في التصويت. أي إنهم يختارون دولة فصل عنصري علناً، وتلك نهايتهم السياسية.
أما شكل الدولة الواحدة فواضح: طرحه فلسطينيون وإسرائيليون معاً سنة 2018 في مشروع من عشر نقاط، ملخصه دولة مواطنين لا طوائف، والسلاح بيد الدولة وحدها، ودستور يضمن لكل جماعة لغتها وثقافتها، ولا تستطيع أي جماعة تغييره مهما كثر عدد مقاعدها البرلمانية.
وسيقال: طرح طوباوي. وهكذا قيل عن جنوب أفريقيا سنة 1955، حين أعلن السود أن البلاد ملك لكل من يعيش فيها، وتمسّكوا بذلك حتى انتهى الفصل العنصري. ولم يسقط ذلك النظام بموعظة، بل بعزلة ومقاومة وانقسام بين البيض أنفسهم. والأولان قائمان اليوم مع إسرائيل: اعترافات أوروبية، ودعاوى دولية، ونقاش أميركي حول كلفة الدعم. أما انقسامها فسيتكرس أكثر حين يصير حق التصويت مطلباً على الطاولة.
وسيقال: هذا يخالف الإجماع الدولي القائم على حل الدولتين. لكن ذلك الإجماع صار بلا مضمون: يُعلن في البيانات ويُدفن على الأرض. وإسرائيل لن تتزحزح أمام مطلب يواجه قوتها العسكرية، لأنها فيه أقوى؛ إنما تتزحزح أمام مطلب يجعل تفوقها العسكري بلا جدوى، ويحوّلها من ضحية إلى دولة فصل عنصري، ويقلب سلاحها عبئاً عليها.
لم يبقَ إلا أن تتحرك مؤسسات فلسطينية- ويفضّل من داخل جسم المنظمة - ومؤسسات عربية، فقد ثبت للعواصم العربية أنها مستهدفة كما رام الله، لتعلن انتهاء عصر الدولتين وتطالب رسمياً بدولة واحدة وبحقوق متساوية، خاصة أن العالم يتغير تجاه إسرائيل يومياً. فإن رفضوا، حاصرهم الرفض كدولة عنصرية، وانكسر نمط ثلاثين سنة من الصراع: أن لهم أن يرفضوا، وعلينا أن ننتظر. فليأخذ الفلسطيني زمام المبادرة؛ فالانتظار ليس سياسة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية