العايدي يكتب: الهاشميون (1): القدس في قلب السردية الأردنية
د.محمد صبحي العايدي
حين نتحدث عن علاقة الهاشميين بالقدس، فنحن لسنا أمام علاقة فرضتها السياسة أو الجغرافيا، بل نحن أمام مفهوم أعمق وهو العهد والأمانة، والفرق بين الأمرين كبير، فالسياسة تتحرك في مساحة المصالح وموازين القوى، وتتغير أدواتها بتغير الظروف، أما العهد والأمانة فالتزام أخلاقي وتاريخي، لا يسقط حين تتغير المواقف والخرائط، ومن هنا، في تقديري، يمكن فهم استمرارية العلاقة الهاشمية بالقدس، لأكثر من قرن.
فالقدس لم تدخل الوعي الهاشمي باعتبارها ملفاً سياسياً طارئاً، ولم تكن يوماً عبئاً سياسياً فرضته الجغرافيا، ولا قضية هامشية في اهتمام الدولة الأردنية، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من السردية الأردنية، ومن تعريف الدولة لدورها ورسالتها.
والسردية هنا، ليست مجموعة أحداث وروايات، ولا تاريخاً سياسياً يستعاد في المناسبات، بل منظومة الأفكار والقيم والمواقف التي تشكلت معها هوية الدولة، وحددت رؤيتها لذاتها ولمحيطها، ومن هذا المنظور، فإن الوصاية الهاشمية ليست تفصيلاً أضيف لاحقاً إلى السياسة الأردنية، وإنما امتداد لمسار تاريخي أصبح جزءاً من هويتها السياسية والأخلاقية.
لماذا القدس؟
لأن الدولة الأردنية لم تنشأ من فراغ جغرافي أو تاريخي، بل ولدت من رحم المشروع العربي الهاشمي والثورة العربية الكبرى، في لحظة كانت فيها فلسطين والقدس في صميم سؤال العرب عن هويتهم ومستقبلهم، ثم جاءت الجغرافيا لتجعل ما هو قومي وديني شأناً أردنياً مباشراً، وجاء التاريخ ليعمق هذه العلاقة، من الرعاية الهاشمية للمقدسات، إلى دفاع الجيش العربي عن القدس.
وهكذا لم تعد القدس بالنسبة للأردنيين مجرد قضية تضامن مع شعب شقيق، بل جزءاً من ذاكرة الدولة، وهويتها، فالسردية لا تتشكل من الحدود وحدها، بل من القضايا الكبرى التي تختار الدولة أن تتحمل مسؤوليتها، والقدس واحدة من تلك القضايا التي التقى فيها الديني بالوطني، والهاشمي بالعربي، والتاريخي بالسياسي.
ففي عام 1924م، انعقدت للشريف الحسين بن علي البيعة على رعاية المقدسات، وأسهم في إعمار المسجد الأقصى، وقبة الصخرة، فيما عرف بالإعمار الهاشمي الأول، وحين توفي- رحمه الله- عام 1931م، دفن في القدس قريباً من الحرم القدسي الشريف، هنا يظهر مفهوم الشرعية في الانتساب إلى آل البيت النبوي، بما يحمله من رمزية تاريخية وروحية، وما يفرضه في المقابل من مسؤولية مضاعفة تجاه قضايا الأمة ومقدساتها.
ولو كانت العلاقة بالقدس قائمة على السلطة لوحدها لانتهت بانتهاء السيطرة السياسية، لكن الرعاية استمرت، لأن هناك فرقاً بين القوة والشرعية، فالاحتلال يستطيع أن يفرض واقعاً بالقوة، ولكنه لا يستطيع أن يحول القوة إلى حق، ولذلك عندما قرر الملك الحسين -رحمه الله- فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية عام 1988م، بقيت المقدسات والأوقاف في القدس خارج القرار، ثم جاء اتفاق الملك عبدالله الثاني بن الحسين والريئس الفلسطيني عام 2013م ليؤكد الوصاية الهاشمية ودورها في حماية المقدسات.
وقد كتبت هذه العلاقة أيضاً بدم الملك المؤسس-رحمه الله- عند أبواب الأقصى، واستمرت عبر الإعمارات الهاشمية المتعاقبة، وصولاً إلى الموقف الذي يحمله الملك عبدالله الثاني اليوم في المحافل الدولية، تعبيراً عن جانب أصيل من السردية الأردنية.
ولا بد هنا من التأكيد أن الوصاية الهاشمية ليست بديلاً عن الحق الفلسطيني، ولا منافسة له، فالقدس الشرقية هي عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة، بينما تتعلق الوصاية بحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية ورعايتها والحفاظ على هويتها، ووضعها التاريخي والقانوني، ومن هنا جاء دعم الملك عبدالله الثاني لترميم القبر المقدس في كنيسة القيامة عام 2016م، بوصفه تعبيراً عن فهم حضاري للقدس بهويتها الإسلامية والمسيحية معاً.
وبهذا يظهر أن الدور الهاشمي في القدس لم يكن عاطفة موسمية، ولا خطاباً للمزايدة، أو البحث عن مكاسب سياسية، بل مسؤولية عملية تراكمت لأكثر من مائة عام، تحمل تكاليفها الهاشميون جيلاً إلى جيل، ولهذا فإن إخراج القدس من السردية الأردنية لا يعني حذف ملف من ملفات السياسة الخارجية، بل حذف جزء من الرواية التي تشكلت بها الدولة نفسها.
والسؤال الأهم، بعد قرن من الأمانة والعهد والعزم الذي لم يلِن، ليس: كم تحدثنا عن القدس؟ بل كم قدم الهاشميون لها؟ لنترك التاريخ والوقائع والوثائق هي التي تجيب.







