اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خطاطبة يكتب: واشنطن.. حين تتداخل العقيدة مع صناعة القرار

{title}
أخبار الأردن -

 

محمود خطاطبة


قد يُخيّل للبعض أن ساكن البيت الأبيض هو من يحسم قرارات الحرب والسلام، أو يملك مفاتيح الأزمات الكبرى منفرداً؛ غير أن واقع الإدارة الأميركية مختلف عن ذلك تماماً، فالمؤسسات الرئيسة «المركزية» أو ما يُعرف بـ»الدولة العميقة»، هي المحرك الحقيقي والتنفيذي للسياسات الأميركية العليا.
 

هذه المؤسسات تعمل وفق إستراتيجيات تتضمن خططاً طويلة المدى ومتعددة، فهناك دائماً الخطة «أ، ب، ج»، وقد وُضعت على مهل، وبدرجة عالية من التخطيط والدهاء، لتحقيق أهداف ومصالح وعقائد تيار يُطلق عليه «الصهيوني الإنجيلي».. بمعنى، أن النظام المؤسسي لا يتدخل في الانتخابات بشكل مباشر للبت في هوية الفائز، ولكنه يملك ملفات وخططاً جاهزة ومفصلة تتناسب مع طبيعة وشخصية كل رئيس قادم.
وبذلك، لا تعدو شخصية رئيس الولايات المتحدة الأميركية كونه واجهة تنفذ المسار الذي يناسب تركيبتها؛ فما يلائم دونالد ترامب وهوسه يُستغل لتمرير خطط محددة، بينما تُعد لرئيس آخر خطط مختلفة تخدم الأهداف نفسها، ليصبح الدور الفعلي للرئيس هو التنفيذ ضمن أطر مرسومة مسبقاً، لا بل منذ أمد بعيد؛ فالكل في النهاية يتحرك ضمن الهامش المرسوم له مؤسسياً.
ولعل الأبعاد الأكثر خطورة لهذه السياسات تظهر عندما تتقاطع الرؤية الإستراتيجية للمؤسسات مع العقائد الدينية المتطرفة؛ فالتصريحات المنسوبة لنائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، والتي يشير بها إلى أن «المسيح الدجال يعيش بيننا. وأنه يعمل بجد لتنفيذ أوامر الرب حتى لو جلب ذلك نهاية العالم»، تعكس بعداً أيديولوجياً يستحق التوقف عنده في سياق صناعة القرار.
ولا ننسى أيضاً، أنه في العام 2003، وقبيل عملية احتلال العراق، عندما صرح الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الابن، بأنها «حملة صليبية»، وبعدها بعقدين من الزمن، أكد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، «أتيت إلى هنا (تل أبيب) ليس كوزير خارجية الولايات المتحدة، ولكن كيهودي».
ذلك يعني، أننا أمام رؤية تحركها مفاهيم «الصهيونية الإنجيلية» تتعامل مع العالم بشكل عام، والمنطقة بشكل خاص منطلق حتمي ذي أبعاد دينية، يسعى للوصول إلى مراحل محددة مدونة في كتبهم وعقائدهم.. بمعنى هناك من يعتقد بضرورة التمهيد لمراحل تاريخية ومقادير مكتوبة تسرع بنهاية العالم؛ وهذا يتجاوز أطراً سياسية تقليدية، يدخل المنطقة في حرب دينية، تبرر فيها القرارات المصيرية باسم نصوص مقدسة.
طرح يتكامل مع توجهات أقطاب التكنولوجيا والمال، كما يظهر في تصريح إيلون ماسك المثير للجدل عندما تحدث عن «تخليق الإله الخاص بنا».. الأمر الذي يعني أن السعي لنقل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الخارق إلى مستويات تتجاوز القدرة البشرية ليس مجرد طفرة علمية، بل يتسق مع رؤى تسعى لخلق قوى هيمنة تتجاوز المفهوم التقليدي للسلطة.
وعندما يصرح وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، بخصوص المواجهات العسكرية متحدثاً عن «حرب الرب»، بالتوازي مع خطاب صهيوني يبرر التوسع والحروب، مستنداً في ذلك إلى نصوص توراتية، يتضح أن القرارات السياسية والعسكرية باتت تغلف برداء عقائدي صريح.. لم تعد هذه الطروحات تقال بخجل في الكواليس، بل أصبحت تعلن بصراحة على ألسنة كبار المسؤولين؛ وهو ما يعني أن لهذه السياسات تداعيات محتملة على أمن المنطقة والعالم.
ويبقى السؤال، ماذا سيحدث عندما يحمل مسؤول رفيع المستوى في دولة عظمى، تمتلك أكبر ترسانة عسكرية في العالم، تصوراً دينياً عن نهاية الأزمنة، ثم يتحدث عن احتمال أن تقود أعماله السياسية إلى تلك النهاية باعتبار الأمر مقبولاً؟.. إلا أن مجرد وجود مثل هذه اللغة في خطاب مسؤول بهذا المستوى يكشف عن أن أفكار نهاية الأزمنة ليست غائبة عن بعض دوائر اليمين الديني والسياسي الأميركي.
وللأمانة والموضوعية، قد يكون من المبالغة القول إن السياسة الأميركية كلها تدار وفق عقيدة دينية واحدة، فداخل الولايات المتحدة تيارات دينية وسياسية متعددة، بينها خلافات عميقة بشأن إسرائيل والحرب والسياسة الخارجية. كما أن العلاقة بين الإنجيليين الأميركيين وإسرائيل ليست كتلة واحدة متجانسة، بل تتداخل فيها اتجاهات ومصالح ومواقف مختلفة.
لكن وجود هذه الاختلافات لا يلغي حقيقة أخرى؛ هناك تحالفات واضحة بين قطاعات من الإنجيليين المؤيدين لإسرائيل، ودوائر اليمين الأميركي، والصهيونية الدينية، وهي تحالفات قادرة على التأثير في النقاش السياسي وصناعة المواقف تجاه المنطقة.
يبدو أن العالم أصبح أمام معادلة جديدة، لا يمكن التعامل معها بشكل تقليدي.. والمنطقة، التي دفعت ثمناً باهظاً من الحروب والصراعات، قد تكون أول من يدفع ثمن هذه المعادلة إذا تحولت الأزمات إلى أدوات لتنفيذ سيناريوهات عقائدية مرسومة مسبقاً.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية