اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الطراونة يكتب: إستراتيجية أميركية جديدة للمنطقة.. لماذا ستفشل؟

{title}
أخبار الأردن -

 

مكرم أحمد الطراونة


تعكف إدارة الرئيس دونالد ترامب، بحسب موقع "إكسيوس"، على إعداد إستراتيجية جديدة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب مع إيران. هذه ليست أول خطة أميركية كبرى للمنطقة، وربما لن تكون الأخيرة، فقد عرف الشرق الأوسط، خلال العقود الماضية، مشاريع كثيرة لإعادة تشكيله، لكنها اصطدمت جميعها بحقيقة أن المنطقة أكثر تعقيدا من أن يعاد ترتيبها من واشنطن وحدها.
 

الإستراتيجية المحتملة تبدو واسعة وطموحة، وتتضمن بناء اصطفاف إقليمي لاحتواء إيران بضمانة أميركية، وتأمين المرحلة التالية من خطة ترامب بشأن غزة، والوصول لترتيبات أمنية بين إسرائيل وسورية، وتنفيذ الاتفاق بين إسرائيل ولبنان، وصولا لتوسيع اتفاقيات أبراهام وإضافة دول أخرى لمسار التطبيع.
إدارة ترامب تأمل بأن تكون الحكومة الإسرائيلية التي ستشكل بعد الانتخابات المقبلة مستعدة للتعاون في تنفيذ الإستراتيجية، لكن يبدو أن الإدارة الأميركية لا ترى الدول الأخرى المعنية بالإستراتيجية، وكل ما يهمها هو إسرائيل وتعاونها، كما لو أن الإستراتيجية سيتم فرضها بالقوة على الآخرين، بينما لا يسأل أحد: ماذا تريد دول المنطقة نفسها؟
هذه نقطة أساسية أغفلتها مشاريع أميركية سابقة، فالدول العربية ليست كتلة واحدة، ومصالحها وحساباتها الأمنية مختلفة، كما أن نظرتها إلى إيران لا تتطابق بالضرورة مع النظرة الأميركية أو الإسرائيلية. ثمة دول ترى في السياسات الإيرانية ونفوذ طهران الإقليمي تهديدا مباشرا لأمنها، لكن ذلك لا يعني استعدادها للدخول في تحالف إقليمي مفتوح ضد إيران، خصوصا إذا كانت إسرائيل جزءا مركزيا منه.
المعضلة أن واشنطن قد تحاول الجمع بين ملفين مختلفين؛ احتواء إيران، ودمج إسرائيل بصورة أوسع في الإقليم، وقد تتقاطع المصالح العربية والأميركية في الأول بدرجات متفاوتة، لكنها لا تتطابق بالضرورة في الثاني.
أي دولة عربية ستسأل قبل الانضمام إلى ترتيب أمني جديد: ما الذي سأحصل عليه؟ وما طبيعة الضمانات الأميركية؟ وضد من سيعمل هذا التحالف؟ وهل سيؤدي إلى تخفيض احتمالات الحرب أم سيجعل الدول المشاركة فيه جزءا من مواجهة إقليمية جديدة؟ ثم كيف يمكن بناء منظومة أمن إقليمية تكون إسرائيل أحد أعمدتها، بينما تستمر القضية الفلسطينية بلا حل، وتتواصل السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتبقى غزة مفتوحة على احتمالات الانفجار، فيما تستمر التوترات الإسرائيلية مع لبنان وسورية!
المشكلة تكمن في الاعتقاد بأن إدماج إسرائيل في المنطقة يمكن أن يسبق معالجة أسباب الصراع معها، وقد أثبتت التجارب أن الاتفاقيات الثنائية تستطيع تنظيم العلاقات بين الدول، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة سلام إقليمي إذا بقيت القضية الفلسطينية تتفاقم، خصوصا أنه كلما اتسعت الفجوة بين إسرائيل والفلسطينيين، أصبحت الحكومات العربية أكثر حذرا في الذهاب بعيدا بمسارات التطبيع، بصرف النظر عن الضغوط أو الحوافز الأميركية.
إن نجاح أي إستراتيجية أميركية جديدة يتوقف على قدرة واشنطن على التعامل مع إسرائيل، وإذا كانت الولايات المتحدة تريد شرق أوسط أكثر استقرارا، فإن إنشاء محور في مواجهة محور آخر لن يصنع الاستقرار، وإنما قد يؤسس لحروب مقبلة.
المطلوب منظومة أمن إقليمي أوسع، تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، ووقف استخدام الجماعات المسلحة كوكلاء إقليميين، وضمان أمن دول الخليج والأردن وسورية ولبنان والعراق، بالتوازي مع معالجة جدية للقضية الفلسطينية ووضع حدود للسلوك الإسرائيلي الذي يهدد أمن جيرانه. أما أن تقوم الفكرة على احتواء إيران، وإدماج إسرائيل، ثم مطالبة الدول العربية بالاصطفاف داخل هندسة أمنية جرى تصميمها مسبقا، فسيعيد إنتاج الخطأ القديم نفسه.
المشكلة في الشرق الأوسط لم تكن يوما في نقص الخطط الأميركية، وإنما في أن كثيرا من هذه الخطط بدأت من سؤال حول ماذا تريد واشنطن للمنطقة، وربما حان الوقت ليبدأ أي مشروع قابل للحياة من سؤال شعوب ودول المنطقة حول ماذا تريد لأمنها ومستقبلها، وأين تلتقي مصالحها فعلا.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية