النقرش يكتب: شيوخ «الصناعة الكوريه ».. عندما تصبح العباءة شهادة مشيخة!
د.ابراهيم النقرش
لم تعد المشيخة عند بعض الناس تحتاج إلى نسبٍ معروف، ولا إلى تاريخ من الإصلاح، ولا إلى حكمة يشهد بها القريب والبعيد؛ يكفي أحيانًا أن تشتري عباءة، وتملك لسانًا حلوًا، وتكثر من حضور الأعراس والمناسبات، حتى تجد نفسك بين ليلة وضحاها «شيخًا» من شيوخ القوم!
وهنا لا بد من التوضيح بداية: حديثنا ليس عن شيوخ العشائر الحقيقيين الذين نجلّهم ونحترمهم، ممن ورثوا المشيخة مسؤوليةً لا وجاهة، وخدمةً للناس لا بابًا للتكسب، واشتهروا بالحكمة والإصلاح وحسن الخلق. هؤلاء موجودون، وهم جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الأردني، ولهم مكانتهم التي لا تحتاج إلى عباءة لإثباتها.
لكن المشكلة في ظاهرة بدأت تتسع وتحتاج إلى وقفة جادة: ظاهرة «شيوخ الصناعة الكوريه»!
هؤلاء الذين يصنعون لأنفسهم مشيخةً من المظهر واللقب وكثرة الظهور في المناسبات. أحدهم قد لا يملك من الثقافة أو الخبرة ما يؤهله للحديث في شؤون الناس، لكنه يملك جرأة الحديث، ولسانًا حلوًا، وعباءةً اشتراها حديثًا، فيبدأ بتقديم نفسه شيخًا، ثم يتصدر المجالس، ويقرر، ويتدخل، ويعطي نفسه حق الحديث باسم العشيرة والمجتمع!
والأخطر من ذلك عندما تتحول هذه «المشيخة» إلى مهنة للتكسب.
ففي بعض القضايا والمشكلات، وخاصة حوادث السير والخلافات الاجتماعية والمصائب التي تقع للناس، يظهر بعض هؤلاء في الواجهة باعتباره «مصلحًا» أو «وجيهًا» أو صاحب قدرة على حل المشكلة، ثم تبدأ الاتصالات والطلبات والمبالغ المالية تحت عناوين مختلفة، حتى يدفع أصحاب المصيبة ثمنًا آخر فوق مصيبتهم.
الإصلاح العشائري قيمة اجتماعية محترمة، عندما يقوم على الصدق والنزاهة وحفظ الحقوق وتهدئة النفوس، لكنه يفقد معناه عندما يتحول إلى وسيلة للضغط على الناس أو تجاوز القانون أو تحقيق مكاسب شخصية.
والأمر لا يتوقف عند المال؛ فبعض هؤلاء جعلوا من المشيخة وسيلة للوجاهة وحضور الولائم والمناسف والطبايخ والعزائم، حتى أصبحت «المشيخة» عند البعض أقرب إلى بطاقة دعوة دائمة للمناسبات!
يا سادة، المشيخة ليست عباءة تُشترى، ولا مقعدًا في مقدمة الجاهات، ولا دفتر أرقام للاتصالات، ولا طريقًا إلى المناسف والعزائم. المشيخة مسؤولية وسمعة وتاريخ وأمانة.
والغريب أن بعض من يطلقون على أنفسهم «شيوخًا» يسيئون، من حيث يعلمون أو لا يعلمون، إلى الشيوخ الحقيقيين. فالشيخ الحقيقي لا يحتاج إلى أن يعرّف الناس بنفسه كل يوم بأنه شيخ"كما شيوخ الكوري"؛ الناس تعرفه من مواقفه، ومن عدله، ومن حكمته، ومن قدرته على جمع الناس لا استغلال حاجاتهم.
وهنا يأتي دور شيوخ العشائر الحقيقيين؛ فهم أول من ينبغي أن يواجه هذه الظاهرة، دفاعًا عن مكانة العشيرة وهيبة المشيخة، وأن يقولوا بوضوح: ليس كل من ارتدى العباءة شيخًا، وليس كل من توسط في قضية أصبح مصلحًا، وليس كل من جمع الناس حوله يمثل عشيرة أو جماعة.
كما أن الدولة مطالبة بتنظيم هذا المجال، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا جنائية أو مالية أو حوادث وحقوق للناس. فالإصلاح الاجتماعي يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا للقانون، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى بديل عنه، ولا إلى باب مفتوح لمن يريد استغلال مصائب الآخرين.
نحن لا نريد إلغاء الإصلاح العشائري، بل نريد حمايته من الدخلاء عليه. ولا نريد إضعاف دور شيوخ العشائر، بل نريد حماية هيبتهم من أولئك الذين أساؤوا إلى صورتهم بمشيخة مصطنعة لا تستند إلى تاريخ ولا علم ولا أخلاق.
ففي النهاية، الشيخ الحقيقي تصنعه مواقف الرجال وشهادة الناس، وليس العباءة.
أما «شيخ الصناعة الكوريه»… فمهما كانت العباءة فاخرة، تبقى الصناعة الرديئة صناعة رديئة







