اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العثامنة يكتب: حين تصبح ساعة المواطن من المال العام

{title}
أخبار الأردن -

 

مالك العثامنة


ثمة مال عام نعرفه جيدا، نراه في الموازنة ونلاحق أبوابه وأرقام إنفاقه، لكن ثمة مال عام آخر لا يظهر في أي جدول، ولا يخضع لتدقيق ديوان المحاسبة، مع أنه يهدر كل يوم بكميات هائلة: وقت الناس.
 

وعمّان، بكل ما نحب فيها، أصبحت تأكل وقت أهلها.
المسألة لم تعد قصة ازدحام مروري نشتمه صباحا ثم ننساه عند الوصول، بل تحولت إلى قضية اقتصادية واجتماعية كاملة، فحين يحتاج الموظف ساعة للوصول إلى مكان كان يبعد عنه ربع ساعة، وحين تقضي الأم أو الأب جزءا معتبرا من يومهما بين الإشارات، وحين يصبح موعد بسيط في طرف آخر من المدينة مشروعا يحتاج إلى تخطيط، فإننا لا نتحدث عن حركة سير، بل عن حياة تتسرب على الإسفلت.
نحسب عادة كلفة الازدحام بالوقود المحروق، ونحسب كلفة الطرق والجسور والتقاطعات، لكننا نادرا ما نحسب ساعة المواطن نفسها، مع أنها أثمن ما في المعادلة.
فالساعة التي يخسرها موظف في الطريق هي إنتاج ضائع، والساعة التي يخسرها صاحب عمل هي نشاط اقتصادي مؤجل، والساعة التي لا يقضيها الأب مع أسرته لها كلفة اجتماعية، وحتى التوتر الذي يحمله السائق معه من الشارع إلى البيت أو المكتب ليس تفصيلا عابرا في نوعية الحياة.
لهذا فإن النقل العام ليس خدمة تكميلية تقدمها المدينة لمن لا يملك سيارة، بل بنية أساسية للاقتصاد تماما مثل الكهرباء والماء والاتصالات.
وقد بدأت عمّان بالفعل خطوات مهمة في هذا الاتجاه، من الباص سريع التردد إلى توسيع شبكة الحافلات، لكن التحدي أكبر من إضافة حافلات أو فتح شارع جديد، لأن المدينة نفسها تمددت بطريقة جعلت المسافات أطول، والسيارة الخاصة أكثر ضرورة، ومواقع العمل والتعليم والخدمات أكثر تركيزا.
والحل لذلك لا يمكن أن يكون هندسيا فقط، فنحن نحتاج أن نفكر في عمّان باعتبارها مدينة للإنسان قبل أن تكون مدينة للسيارة، وأن يصبح السؤال عند تخطيط حي جديد أو ترخيص مشروع كبير أو نقل مؤسسة حكومية: كم دقيقة سيضيف هذا القرار إلى حياة الناس أو يوفر منها؟
الدولة التي تحترم وقت مواطنها لا تفعل ذلك من باب الرفاهية، بل لأنها تعرف أن الوقت مورد اقتصادي مثل أي مورد آخر.
وربما علينا، ونحن نتحدث كثيرا عن كفاءة القطاع العام والإنتاجية والنمو، أن نضيف مؤشرا بسيطا إلى حساباتنا: كم ساعة يحتاج الأردني كل يوم كي يصل إلى عمله ويعود منه؟
لأن عمّان حين تأكل ساعة من حياة مواطنها كل يوم، فإن الخسارة ليست خسارته وحده.
إنها خسارة في حساب الدولة أيضا.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية