أبو دلو يكتب: الشرعية والموقف الدولي إلى أين؟
معاذ وليد أبو دلو
خلال العقد الأخير، اتجهت إسرائيل بصورة متزايدة إلى التعامل مع المنطقة بمنطق القوة وفرض الأمر الواقع، وكأنها تملك حقاً منفرداً في إعادة رسم حدود الجغرافيا والسياسة والأمن وفقاً لمصالحها فقط، بعيداً عن قواعد القانون الدولي والشرعية والالتزامات التي نشأت عن الاتفاقيات والقرارات الدولية.
وتكشف التطورات الأخيرة أن هذا النهج لم يعد مجرد سياسة مؤقتة لإدارة الصراع، وإنما أصبح مساراً يسعى إلى تكريس واقع جديد على الأرض، الأمر الذي يهدد بصورة مباشرة إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية عادلة، ويقوض بصورة متدرجة الأساس الجغرافي والسياسي لحل الدولتين.
ففي قطاع غزة، وعلى الرغم من التوصل إلى ترتيبات واتفاقات لوقف الأعمال العدائية، ما تزال عملية التنفيذ تواجه عراقيل وخلافات، في الوقت الذي أبدى فيه الطرف الفلسطيني موافقته على ترتيبات تتعلق به، ومن ثم فإن استمرار عدم الالتزام بالاتفاقات أو الانتقائية في تنفيذها لا يمكن أن يشكل أساساً لسلام مستدام ودائما، لأن الاتفاقات الدولية والسياسية لا تكون ذات قيمة إذا أصبح تنفيذها خاضعاً لإرادة طرف واحد دون باقي الأطراف.
أما في الضفة الغربية، فإن الصورة تبدو أكثر خطورة، في ظل استمرار التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وتوسيع البؤر والمستوطنات، وتصاعد عنف المستوطنين، بالتوازي مع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل مناطق يفترض أن تخضع، وفق ترتيبات أوسلو، لاختصاصات فلسطينية محددة وتحت إشرافها وإدارتها.
وهنا تبرز المسألة القانونية بصورة واضحة؛ فالقضية لم تعد خلافاً سياسياً حول الحدود أو ترتيبات أمنية مؤقتة، وإنما تتصل بمبادئ أساسية في القانون الدولي، وفي مقدمتها عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة واحتلالها، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وقواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالأراضي المحتلة وحماية السكان المدنيين والاتفاقية الدولية تؤكد على ذلك.
ومن ناحية قانونية قد جاء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في عام 2024 ليضع إطاراً قانونياً بالغ الأهمية لهذه المسألة وحسم الجدل القانوني فيها، عندما خلصت المحكمة إلى عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأكدت عدم مشروعية سياسة الاستيطان والتوسع في بناء المستوطنات، كما رتبت على الدول التزامات بعدم الاعتراف بالوضع غير المشروع الناشئ عن هذا الوجود، وعدم تقديم المساعدة أو العون في استمراره، والتعاون مع الأمم المتحدة لإنهائه.
وهنا لا بد من التمييز بين الموقف السياسي والموقف القانوني، فالموقف السياسي قد يحتمل التفاوض والمساومة وتبدل المصالح، أما القواعد القانونية بالعموم وخاصة الدولية، ولا سيما تلك المرتبطة بحق الشعوب في تقرير مصيرها وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، فلا يجوز أن تتحول إلى مجرد توصيات قابلة للتعطيل السياسي عكس ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة الذي يعد دستور العالم في فرض الأمن والسلم الدوليين.
كما أن استمرار الاستيطان لا يمثل مجرد توسع عمراني، وإنما يترتب عليه أثر قانوني وسياسي مباشر، لأنه يغير طبيعة الأرض المحتلة وتركيبتها الجغرافية والديموغرافية، ويخلق وقائع جديدة على الأرض تجعل تنفيذ حل الدولتين أكثر صعوبة مع مرور الوقت إذا لم نكن قد وصلنا فعلاً إلى نقطة الصفر ولا عودة وعدم القدرة على تنفيذه.
أما اتفاقيات أوسلو، وبصرف النظر عن الموقف السياسي منها، فقد أنشأت ترتيبات قانونية وسياسية محددة بشأن توزيع الاختصاصات والمسؤوليات في الضفة الغربية، وبالتالي فإن تجاوز هذه الترتيبات أو فرض وقائع ميدانية جديدة بالقوة يطرح سؤالاً جوهرياً حول احترام الالتزامات الناشئة عن الاتفاقات التي قبلت بها الأطراف والأخطر من ذلك أن المجتمع الدولي، وعلى مدى سنوات، اكتفى في كثير من الأحيان بالتنديد والاستنكار وإصدار البيانات، في الوقت الذي استمرت فيه الوقائع على الأرض في الاتجاه المعاكس دون النظر لهذه التنديدات وعدم الاكتراث بها.
وهنا يجب أن يطرح السؤال بصراحة: ما قيمة الشرعية الدولية إذا كانت القرارات الدولية لا تتبعها آليات إنفاذ، وإذا أصبحت مخالفة القانون الدولي لا تؤدي إلا إلى بيان إدانة جديد؟
إن أزمة القضية الفلسطينية اليوم ليست في غياب القواعد القانونية، بل في غياب الإرادة السياسية الكافية لإنفاذها وهذا ما قد أشرنا إليه بمقالات سابقة عديدة، فالمجتمع الدولي يمتلك أدوات سياسية وقانونية واقتصادية ودبلوماسية متعددة، ويمكنه الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة معالجة أسبابها، والمطلوب ليس مجرد إصدار مواقف أكثر حدة في اللغة، وإنما اتخاذ إجراءات عملية تتناسب مع جسامة الأفعال التي يجري ارتكابها، وتطبيق ميثاق الأمم المتحدة، ويبدأ ذلك بضمان تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار والالتزامات المتبادلة، ووقف النشاط الاستيطاني، ومنع عنف المستوطنين ومحاسبة مرتكبيه، وحماية السكان المدنيين، واحترام الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة، وعدم السماح بفرض وقائع جديدة بالقوة، إضافة إلى تفعيل آليات المساءلة الدولية المتاحة عندما تقع انتهاكات للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، كما أن على الدول التي تؤكد تمسكها بحل الدولتين أن تنتقل من التأييد السياسي النظري إلى حماية مقومات هذا الحل عملياً؛ لأن الاعتراف بمبدأ حل الدولتين، مع السماح في الوقت ذاته باستمرار الإجراءات التي تقوض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية، يمثل تناقضاً بين الخطاب السياسي والموقف والممارسة الفعلية.
إن حماية أمن إسرائيل لا يمكن أن تكون ذريعة لتكريس احتلال دائم، كما أن تحقيق الأمن الإسرائيلي المستدام لا يمكن أن يتحقق في ظل غياب العدالة وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره. فالسلام الحقيقي لا يقوم على موازين القوة وحدها، وإنما على قاعدة قانونية وسياسية تحقق الأمن والحقوق لجميع الأطراف.
فإن المسؤولية لا تقع على إسرائيل والفلسطينيين وحدهم، وإنما تقع أيضا على المجتمع الدولي، وعلى الدول التي شاركت في صياغة النظام الدولي القائم على قواعد القانون والالتزام بالمعاهدات والقرارات الدولية، لقد صدرت قرارات أممية عديدة، سواء من مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً واضحاً، وأصبحت الملامح القانونية للمسألة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لم يعد في إصدار قواعد جديدة، بل في إنفاذ القواعد القائمة.
فإذا بقي القانون الدولي عاجزاً عن حماية الحقوق التي يقررها، وإذا ظلت قرارات الشرعية الدولية رهينة بموازين القوى السياسية، فإن الخطر لن يقتصر على القضية الفلسطينية، بل سيمس مصداقية النظام الدولي بأكمله.
فالشرعية الدولية لا تقاس بعدد القرارات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على تنفيذها، والقانون الدولي لا تكتمل قيمته بالنص عليه، وإنما باحترامه ومساءلة من ينتهكه ولا يطبق أحكامه.
ولهذا، فإن المطلوب من المجتمع الدولي اليوم موقف أكثر فاعلية وحزماً؛ موقف يربط الالتزام بالمساءلة، والقرارات بالتنفيذ، والحقوق بالحماية، ويحول دون تكريس واقع جديد على الأرض، ويحافظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، ويضمن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وصولاً إلى سلام عادل ودائم يقوم على القانون، لا على منطق القوة وفرض الأمر الواقع.







