ناصر الدين يكتب: أسئلة الصمت
يعقوب ناصر الدين
يتساءل معظم المراقبين والمحللين عن حالة الصمت التي تسود منطقة الشرق الأوسط منذ توقفت العمليات العسكرية بين إيران وأميركا وإسرائيل، وبعضهم يطلق عليه تعبير (الصمت الخادع) ويراه مجرد استقرار مؤقت لا يمكن اعتباره نهاية للصدام المسلح، أو البناء عليه كحالة تؤسس لتسوية صراع توقف ظاهريا عند نقطة مبهمة لا تحمل إجابات حاسمة، لا بالنسبة للأطراف المتصارعة، ولا لمستقبل النظامين الإقليمي والدولي على حد سواء!
إذا كانت جهود الوساطة والدبلومسية النشطة التي تستهدف خفض التصعيد أو إنهاء الصراع هي السبب في حالة الهدوء والصمت السائد حاليا فذلك لا يعني أن مجموعة الأزمات التي تعيشها المنطقة سوف تتلاشى الواحدة تلو الأخرى في أمد قريب، ذلك أن إطلاق النار مازال مستمرا في غزة وجنوب لبنان واليمن وغيرها كمؤشرعلى حجم وعمق النزاعات والصراعات بجذورها القديمة وفروعها الحديثة ، وفي أحسن الأحوال يمكن إطالة أمد الهدوء من خلال التفاهمات وليس الحلول الدائمة والمستقرة.
حتى التفاهمات قد تكون نتائجها أكثر سوءا في وضع من هذا النوع لأنها ستكون حتما على حساب أطراف كثيرة بعضها مجاور للصراعات والآخر متأثر بنتائجها، كما هو الحال بالنسبة لروسيا والصين في بعدها الإستراتيجي، وبالنسبة للاقتصاد العالمي في أبعاده المتعلقة بإمدادات النفط والغاز والتجارة العالمية، ومن هذه الزاوية فإنه لا يمكن فرض التفاهمات كواقع يقبله الجميع!
لقد أدت تلك الحرب إلى استنزاف عسكري واقتصادي فادحين لدى القوى المتحاربة، وخلقت تناقضات على مستوى صناع القرار داخلها، فضلا عن أنها عمقت الشرخ بين شعوب المنطقة ودولها، وتلك الحقائق التي تتكشف بوضوح من شأنها منح القادة العقلاء والحكماء من محيط الصراع مزيدا من الأمل بإمكانية ايجاد آفاق للحلول السلمية، مستندة إلى الشرعية الدولية بالرغم مما أصابها من ضعف وتهميش وتعطيل، ذلك أنها المرجعية الوحيدة التي تم الاتفاق عليها بعد الحرب العالمية الثانية لجعل القانون الدولي حدا فاصلا بين النزاعات على أساس الحق والعدل وحفظ السلام العالمي.
يتصدر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ركب القادة الحكماء وهو يؤكد على أن الحل العادل للقضية الفلسطينية هو المنطلق الوحيد لحل معظم الصراعات في منطقة الشرق الأوسط وهو الأساس الذي يمكن أن تبنى عليه حالة الأمن والاستقرار والتعاون، وجلالته يدرك أكثر من غيره أن حل الدولتين – مهما أنكر المحتل الإسرائيلي إمكانية تحقيقه– سيظل هو العنوان ليس لحل شامل وحسب، بل الحل الذي سيمنع انفلات الأمور وذهابها إلى حروب لا نهاية لها، خاصة مع تنامي التطرف الديني، ومحاولات التهويد والاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وتعاظم روح الكراهية والفصل العنصري، وغيرها من الممارسات التي تنبئ بما هو أسوأ وأخطر من كل ما نراه ماثلا أمامنا اليوم.
الأردن لا يصمت أبدا عن موقفه السياسي والقانوني والأخلاقي، وهو من هذه الناحية كأنه يقول للجميع (انتظروا إننا معكم منتظرون) ولعله يقدم الأجوبة على كل الأسئلة الصامتة والمعلنة لنفسه ولغيره بصدق وصراحة ووضوح!







